إجماع "المصريين الأتراك" على الشماتة ببلادهم

من العجائب أن يُجمع عدد كبير من “المصريين الأتراك” على الهتاف لصولات السلطان العثماني، أيا كانت وجهة مدافعه.
الخميس 2020/06/25
خيانة للوطن

باستثناء الموت، لم يُجمع البشر في أي عصر على شيء أو على أحد، ولم يخل زمن من أناس ينكرون وجود الله. الإجماع فكرة تهين العقل، وتحط من قدر الإنسان، وتهبط به إلى مواضع القطيع الذي يساق بالعصا، أو تجذبه نغمة. وفي بعض الأحيان يعزف أفراد من هذا القطيع نغمة ما، تطوّعا أو بأمر واهب النعم القادر على أن ينزع المزمار ويستبدل به سلاحا أو برامج فضائية.

ومن العجائب أن يُجمع عدد كبير من “المصريين الأتراك” على الهتاف لصولات السلطان العثماني، أيا كانت وجهة مدافعه، في الجوار السوري، أو عابرا البحر المتوسط إلى الشاطئ الليبي. ولم يُعهد على حدأة أن قذفت أحدا بالكتاكيت، إلا إذا كانت الكتاكيت طُعما لصيدها، وشراء لنفوس بشرية لها أثمان رخيصة في الغالب، ويجري احتضانها وتسمينها لوقت الحاجة. ولم يتحقق مثل هذا الإجماع منذ عودة “العرب الأفغان” إلى بلادهم للانتقام.

يسوّغ آكلو مال السلطان الشماتة ببلادهم بممارسات دكتاتورية التهمت هامش الحرية، واعتقالات بالشبهات، وعدم احترام دستور لا يضمن للمعتقل حقوقا إلا في نصوصه غير المطبقة. ومن الاستوديوهات يسلط “المصريون الأتراك” الأضواء والبكائيات على هذه التجاوزات في مصر، ويخرسون حين تقع في بلاد تأويهم، وأخرى تمدهم بالأموال لكي يتفننوا في إهانة بلادهم.

ولا يجرؤ أحدهم على التفكير، مجرد تفكير، في التحسر على حرية مفقودة في بلاد ينقصها مفهوم “الدولة”، ومن المحرّمات تناول سياساتها الداخلية أو الخارجية التي لا تخضع لرقابة برلمان، وتحكمها قواعد عسكرية أجنبية، أو تنتظر أوامر تأتيها بمكالمات عابرة للمحيطات.

إذا كان لا بدّ من الحرب فلا يصطف مع العدو إلا فاقدو الشرف. أيا كان موقفك من الحاكم المستبد، فمن الغفلة أن تتوهم بأن عدوا أخلص النية على تخليصك منه. وكم تحالف الغزاة مع الطغاة، وحين تختلف المصالح ويصير عقبة يفكرون في إزاحته.

قبيل الغزو الأميركي للعراق عام 2003، أقامت هيئات إغاثة أممية معسكرات على الحدود العراقية الأردنية، لاستقبال الهاربين من صدام حسين المشغول بمواجهة العدوان عن منع فرارهم، ولكنهم فوجئوا بالعراقيين في الأردن يتدفقون على بلادهم التي تتعرض للعدوان، لوعيهم الحضاري والإنساني بأن العراق لا صدام هو المستهدف. وكان أشرس معارضي الغزو هم ضحايا صدام، لإدراكهم الفرق بين حاكم عابر، ووطن باق لا تصح المقامرة بمستقبله، والترحيب بغزوه، والهتاف للغزاة.

بعد حل الأحزاب في مصر عام 1953، بلغت ذروة الخصومة بين المثقفين وجمال عبدالناصر في أزمة مارس 1954، ونال عبدالناصر ما ناله من السخرية والهجاء، واضطر البعض إلى مغادرة مصر، ثم أيّدوا قرار تأميم قناة السويس في يوليو 1956.

وفي كتابه “أسرار حركة الضباط الأحرار والإخوان المسلمون” يسجل الضابط الإخواني حسين محمد حمودة أن عبدالناصر “قائد الثورة انحرف بها عن مسارها”، ولا يبخل عليه بوصفه بالظالم والسفاح وغيرها من صفات متوقعة من ضابط ينتمي إلى الإخوان المسلمين. ولكن الموقف تغير بوقوع الخطر، فأرسل حمودة هو وإخوانه من السجن برقيات تأييد لعبدالناصر، بعد تأميم قناة السويس “هذا الموقف الوطني الجريء.. هذه الخطوة الوطنية.. وإبداء رغبتهم في المشاركة في الدفاع عن البلاد ضد دول العدوان الثلاثي” البريطاني الفرنسي الإسرائيلي في نهاية أكتوبر 1956.

وفي لندن كان للعاملين في هيئة الإذاعة البريطانية خيار وحيد هو الاستقالة، وعاد إلى القاهرة الفنان محمود مرسي وحسين أحمد أمين، ابن الأديب أحمد أمين، اعتراضا على مشاركة بريطانيا في غزو مصر.

أما الفنان التشكيلي السريالي رمسيس يونان، أحد مؤسسي جماعة “الفن والحرية” عام 1939، فكان يرفض وجود رجل عسكري في قمة السلطة، وبقي في باريس إلى أن جاءت لحظة اختبار وطني لا تحتمل وجهة نظر، فلم يتردد في إدانة العدوان الذي تشارك فيه فرنسا، ونبه أصدقاءه من الفنانين والمفكرين في أوروبا وأميركا اللاتينية إلى خطورة إعادة الروح إلى استعمار كانت الجزائر تجاهد للتخلص منه.

وضمِن رمسيس يونان انحياز سلفادور دالي وبيكاسو وجان بول سارتر ولويس أراغون وليوبولد سونغور وألبير كامي وغيرهم إلى مناصرة قضية مصر العادلة. واستقال من الإذاعة الفرنسية، وجاء إلى مصر غير مبال بتحذيرات الناصحين الخائفين عليه من الاعتقال.

تدهشني حماسة “المصريين الأتراك”، ولا أتوقع من أحدهم أن يتذكر فضيلة الخجل، حين ينظر “إنسان” إلى وجهه في مرآة، وإنما أتأمل غياب الفطنة، وفقدان الذاكرة، ونسيان سلف لم يغفر له التاريخ سوء عمله إذ رآه حسنا، فلا تُلتمس الغايات النبيلة بوسائل دون ذلك.

وفي التاريخ المصري شخصية ملتبسة يجسدها الجنرال يعقوب. يراه البعض بطلا ثار ضد الاضطهاد العثماني، ورحب بالاحتلال الفرنسي، أملا في إنهاء ظلم المماليك للمسيحيين، وأراد تحقيق الاستقلال السياسي لمصر. ويراه البعض عميلا، خائنا، ويحتجون بأن الكنيسة القبطية المصرية لم تغفر له التعاون مع الجيش الغازي، فحرمته من التناول، لخروجه عن تعاليمها.

ولم يكن أمام المعلم يعقوب إلا أن يرحل عام 1801 مع الجيش الفرنسي بعد فشله في مصر. وتوفي يعقوب قبل الوصول إلى فرنسا، وأرسلوا إلى نابليون برقية تتضمن خدماته للجيش الفرنسي، ووصيته بأن يدفن بجوار صديقه الجنرال ديزيه، فجاء رد نابليون قاطعا “ادفنوه في أي مكان، ففرنسا لا تدفن الخونة بجوار أبطالها”.

ويبدو أن “المصريين الأتراك” لا يعقلون ردّ نابليون.

9