إبراهيم رمزي حلقة مهمة في تراث المسرح المصري

المسرح كان سبيلا لمواجهة الاستعمار ونقد القضايا الاجتماعية.
الاثنين 2020/11/02
مسرح كانت له قضية

تعود نشأة المسرح العربي وفق الكثير من المؤرخين والباحثين إلى مارون النقاش الذي استقدم هذا الفن إلى بلاد الشام من أوروبا سنة 1848. لكنّ المسرح العربي عرف تطورات كبيرة في تناوله لأهم القضايا الاجتماعية والسياسية مطلع القرن العشرين في مصر على يد رواد كتبوا أعمالا مسرحية وأخرجوها وقدموها ما جعلها ترسّخ هذا الفن العريق.

يعد إبراهيم رمزي إحدى أبرز دعائم المسرح العربي الحديث ورائدا من رواده، بدأت علاقته بالأدب والمسرح بعد عمله مترجما بالصحافة وكتابته للمقالات الأدبية والأبحاث في العديد من المجلات، حتى أيقن بضرورة التأليف للمسرح المصري القومي نصوصا خاصة.

بدأ رمزي مؤلفاته المسرحية بنص عنوانه “الحاكم بأمر الله” عام 1915، وقد مثلت هذه المسرحية جوقة جورج أبيض وسلامة حجازي في دار الأوبرا في 15 أبريل 1915، لتتوالى بعد ذلك أعمال رمزي مثل “الفجر الصادق” و”شمشون ودليلة” و”الدرة اليتيمة” و”عقبال الحبايب”، و”الظاهر بيبرس” وغيرها.

تجربة مسرحية

في كتابها الجديد “مسرح إبراهيم رمزي.. دراسة تحليلية وتحقيق لنصوصه المسرحية” تدرس أستاذة علوم المسرح  نجوى عانوس تراث المسرح المصري عبر أعمال رواده، فكانت الحلقة الأولى مسرح يعقوب صنوع، تلاها مسرح إبراهيم رمزي، ومسرح أمين صدقي، وشخصية العمدة في المسرح المصري، ومسرح يونس القاضي، وأخيرا التمصير في المسرح المصري من يعقوب صنوع 1870 إلى الحرب العالمية الثانية.

تتبعت عانوس في كتابها حياة رمزي وظروف عصره، كاشفة عن أن عصره كان زاخرا بالصراعات والحركات السياسية والاجتماعية؛ حيث عاصر رمزي النشاط السياسي لمصطفى كامل، وكذلك ثورة الشعب المصري عام 1919 بزعامة سعد زغلول، كما أنه لم ينعزل عن الحركة السياسية بل شارك فيها بالانضمام الفعلي إلى الحزب الوطني الذي أسسه مصطفى كامل، إلى جانب انضمامه إلى لجنة مندوبي الموظفين بالوزارات والمصالح اعتراضا على خطبة “اللورد كيرزون” حيث بدا واضحا من هذه الخطبة أن الحكومة البريطانية تصر على احتلال مصر وتشويه الحركة الوطنية. كما فرقت الباحثة بين أديبين اشتركا في الاسم وفي اشتغالهما بالأدب، وأوضحت مكابدة رمزي الشعر في فترة مبكرة من حياته.

قسمت عانوس كتابها إلى قسمين، الأول بعنوان “الاستلهام التاريخي في مسرح رمزي” وجاء في فصلين حللت خلالهما الباحثة المسرحيات التاريخية لرمزي، من حيث علاقتها بالتاريخ لتجيب عن أسئلة: إلى أي حد تأثر بالتاريخ؟ هل استعاده مع تفجير قضايا معاصرة أم استلهمه؟ وهل وعي الحاضر كما وعي الماضي؟ وهل وقف برجل في التاريخ وبأخرى في الحاضر؟ ولماذا اختار شخصيات تاريخية بعينها دون الأخرى؟ ولماذا اختار معظم مسرحياته من تاريخ الدولة الفاطمية بصفة خاصة؟

ودرست عانوس تأثر رمزي بالتراث الشعبي من حيث الحبكة والشخصيات والحوار وتأثره ببعض الكتاب الغربيين وأيضا تأثره بالموروث العربي، إذ تأثر في مسرحية “أبطال المنصورة” بمسرحية “صلاح الدين ومملكة أورشليم” لفرح أنطون.

الكتاب بحث في تأثر إبراهيم رمزي بالتراث الشعبي من حيث الحبكة والشخصيات والحوار وتأثره ببعض الكتاب الغربيين

أما الباب الثاني “الأوبريت ومسرحيات رمزي الكوميدية والميلودرامية النثرية”، فقد جاء في فصلين أيضا تناولت عانوس في الأول الأوبريت مقتصرة على النص المكتوب، وعلى خاصيات الغناء والموسيقى لبيرتو، وقامت بدراسة مسرحيتَيْ “شمشون ودليلة” و”الهواري” التي كتبها في يونيو 1918، والتي لحنها سيد درويش ومثلتها فرقة جورج أبيض وسلامة حجازي في تياترو باتيه في أغسطس 1918.  وتطرقت الباحثة كذلك إلى مسرحية “الدرة اليتيمة” التي  مثلتها فرقة عكاشة عام 1923، وهي من تلحين سيد درويش وأكملها كامل الخلعي.

وضم الفصل الثاني قسمين، درس القسم الأول المسرحيات الكوميدية مثل “عقبال الحبايب” و”دخول الحمام مش زي خروجه” التي مثلتها فرقة عزيز عيد في أكتوبر 1917، والثاني درس المسرحيات الميلودرامية النثرية مثل “صرخة طفل” و”الفجر الصادق”.

القسم الثاني من الكتاب ضم تحقيقا لثلاث مسرحيات هي “شمشون ودليلة” و”الهواري” و”عقبال الحبايب”. وقد لفتت عانوس إلى ما لاقته من صعوبات خلال محاولات العثور على مسرحيات رمزي المخطوطة التي تبلغ 34 مسرحية لولا تفضل ابنته الراحلة أميمة إبراهيم رمزي التي جادت عليها بمعظم المسرحيات.

بعد مسرحيته “الحاكم بأمر الله” كتب رمزي 7 مسرحيات تاريخية عرضت جلها على خشبة المسرح وهي: “البدوية”، كتبها في مارس 1918 ومثلتها فرقة عبدالرحمن رشدي في الأقاليم ثم في القاهرة يوم عيد النيروز وفي الأوبرا في 6 فبراير 1919، و”الوزير شاور بن مجير”، و”بنت الأخشيد” التي ألفها في 27 أبريل 1915 ومثلتها فرقة جورج أبيض وسلامة حجازي، و”أبطال المنصورة” التي كتبها عام 1915 ومثلتها فرقة عبدالرحمن رشدي لأول مرة في المنصورة تكريما لها في 1918 ثم مثلتها فرقة ترقية التمثيل العربي، و”الظاهر بيبرس”، و”محمد الفاتح”، و”إسماعيل الفاتح”.

التأثر بالتاريخ

رأت عانوس أن تأليف المسرحيات التاريخية لم يكن غريبا عن عصر رمزي إذ اتجه الرواد في التأليف المسرحي إلى التاريخ القومي والوطني ينقبون في عصوره عن مواقف البطولات والتأسي والعظة، ونهلوا موضوعات مسرحياتهم من هذا التاريخ.

من هذه المسرحيات “كليوبترا” لإسكندر فرح، وقامت فرقة جورج أبيض وسلامة حجازي بتمثيل “صلاح الدين ومملكة أورشليم” لفرح أنطون، و”المعتمد بن عبادة” لإبراهيم رمزي، و”مقاتل مصر أحمد عرابي” لمحمد عبادي، و”أبطال الحرية” و”وفاء العرب” لأنطون الجميل، ومثلت فرقة المجتمع الأخوي التمثيلي مسرحية “طارق بن زياد”، تأليف عبدالحق حامد، كما مثلت جمعية الاتحاد الشرقي الأدبية مسرحية “الملك العادل الظاهر بيبرس”، ومثلت جمعية النهضة الأدبية الخيرية “مسرحية محمد علي”.

عانوس تتبعت حياة رمزي وظروف عصره، كاشفة عن أن عصره كان زاخرا بالصراعات والحركات السياسية والاجتماعية
عانوس تتبعت حياة رمزي وظروف عصره، كاشفة عن أن عصره كان زاخرا بالصراعات والحركات السياسية والاجتماعية

وأشارت عانوس إلى أن رمزي أراد بعث أمجاد المصريين في وقت ازداد فيه شعورهم الوطني المحلي، والسخط على الاحتلال والتخلف الاجتماعي، وعناصر الفساد التي تسللت إلى حياتهم، حيث كتب مسرحياته التاريخية ما بين عامي 1915 و1918 أي في أثناء الحرب العالمية الأولى، وقبيل ثورة 1919، وقد ظل الشعور القومي في هذه الفترة ينمو ويزداد قوة حتى انفجر في ثورة 1919 وقويت اتجاهات الإصلاح والنهضة في أعقاب ذلك وظهر أثر هذه الاتجاهات في الفكر والأدب والمسرح بصفة خاصة.

وأوضحت الكاتبة في تحليلها لمسرحيات رمزي الاجتماعية كيف عالج المسرحية الاجتماعية الميلودرامية باعتبارها مجالا خصبا يغري بإثارة قضايا اجتماعية متنوعة، وذلك مثل مسرحية “الفجر الصادق” التي تناقش مشكلة الزواج، والتي قدم لها كاتبها بمقدمة يعرض فيها أفكاره الخاصة بالتعليم والصحافة والموسيقى والزواج، وبعد هذه المقدمة تبدأ أحداث المسرحية في تتابع تتنوع عليه المفاجآت المأساوية حتى تنتهي نهاية مفجعة.

وقالت إن رمزي كتب مسرحيات “دخول الحمام مش زي خروجه” و”عقبال الحبايب” و”أبا خونده”، و”حنجل بوبو” لمناقشة قضايا اجتماعية مصرية، وهذا ما فعله عندما ناقش من خلال مسرحيته “دخول الحمام…” و”عقبال الحبايب” قضايا اجتماعية جادة مثل وضعية المحاكم الشرعية وأحكام الطلاق المزور وشهادة الزور، وقضية الفقر الاجتماعي، والصراع بين مجتمع القرية ومجتمع المدينة، حيث يصطدم العمدة القروي عند انتقاله إلى المدينة بأحابيل المجتمع الحضري وأكاذيبه ورغم ذلك يتمسك بقيمه الريفية.

ولفتت عانوس إلى أن تأثر رمزي بالتراث الشعبي في مسرحياته الاجتماعية تمثل في السير الشعبية وحكايات ألف ليلة وليلة وبابة طيف الخيال أو الأمير وصال لابن دانيال، كما تأثر بالأراجوز الشعبي. ومثالا على ذلك استمد شخصية العمدة من الفاصل الكوميدي الذي ألفه عبدالقادر سليمان، والذي دار حول شخصية العمدة عاشور، كذلك استعان بشخصية الدلالة فاطمة حيث كانت تدعى أم رشيد في بابة طيف الخيال.

ورسم رمزي شخصية الفقيه المعمم طبقا لما رآه في فن الأراجوز، كما تأثر بالمسرح الغربي في مسرحيتيه “صرخة الطفل”، و”الفجر الصادق” بمسرحية “بيت الدمية”  لهنرك إبسن، ومسرحية “الزواج” لبرنارد شو، وقد تأثر بالأولى في رسم معظم الشخصيات وتأثر بالثانية في كونها مسرحية أفكار، واستمد منها الموضوع الذي تدور حوله وهو ضرورة التناسب في عمر الزوجين.

14