إبراهيم بوغالي رئيس للبرلمان الجزائري من خارج الطبقة الحزبية

شخصية مغمورة لموقع الرجل الثالث في الدولة تفرزها التوازنات.
السبت 2021/07/17
شخصية سياسية مستقلة تقود البرلمان

لأول مرة في تاريخ البرلمان الجزائري يتم انتخاب شخصية سياسية مستقلة، لكنها مغمورة قادمة من مدينة داخلية ذات خصوصيات ثقافية ودينية مميزة، ورغم ذلك فإن توجهات السلطة والتوازنات الداخلية حالفت إبراهيم بوغالي ليكون تاسع رئيس للمجلس الشعبي الوطني، خلال العهدة النيابية الجديدة التي لا ينتظر منها الكثير، فهي إلى جانب شرعيتها الشعبية المهتزة أعطت انطباعاتها الأولية بأنها ستكون حلقة داعمة للرئيس عبدالمجيد تبون، لا منصة للتمثيل الشعبي الحقيقي.

ويباشر بوغالي مهامه في العهدة النيابية الجديدة خلفا لسلفه سليمان شنين الذي أكمل مهمته الجزئية في ظرف استثنائي عرفته البلاد بسبب أحداث الحراك الشعبي واهتزاز المؤسسات الكبرى للدولة.

رئيس بلا حزام سياسي

الرئيس الجديد للبرلمان ترشح في لائحة مستقلة عن الدائرة الانتخابية لمحافظة غرداية الأمازيغية، وعاصمة التيار الديني الإباضي، ولحسابات سياسية للسلطة القائمة، من أجل خلق توازن جهوي واستراتيجي في توزيع المسؤوليات بين جهات المجتمع وإثنياته، وقع الإجماع على شخص نائب برلماني مغمور، ليس في سيرته إلا مهام انتخابية محلية ووظيفية خاصة. غير أن دور بوغالي في تهدئة الخواطر ودعوته إلى الحوار والتعقل خلال الأزمة العرقية التي شهدتها مدينة غرداية العام 2013، بين السكان الإباضيين الأمازيغ وبين المسلمين السنة العرب، وأدت إلى سقوط ضحايا وخسائر مادية ضخمة، يبقى يحسب له كشخصية معتدلة بإمكانها خلق الإجماع والتوافق داخل مجتمع تحكمه خصوصيات مميزة.

البرلمان الجزائري اليوم برلمان من دون معارضة، لاسيما بعدما أذعنت الكتل النيابية الفائزة لإرادة السلطة.
البرلمان الجزائري اليوم برلمان من دون معارضة، لاسيما بعدما أذعنت الكتل النيابية الفائزة لإرادة السلطة، رغم أنه كان بالإمكان بناء تحالف يمكّنها من تشكيل حكومة مستقلة.

الانتخابات التشريعية أفرزت برلمانا مثيرا للجدل، بسبب المقاطعة الشعبية الواسعة للاقتراع، وتدخل السلطة لدعم لوائح المستقلين في إطار مخطط يستهدف خلق توازن سياسي مع الأحزاب السياسية، بواسطة شراكة مع ما يعرف بـ"المجتمع المدني".

وعكس التقاليد السياسية المعمول بها، التي عادة ما تنتج رئاسة برلمان وحكومة تنبثقان من الأحزاب الفائزة، فإن توافقات صنعتها السلطة أوكلت المهمة الأولى لنائب مستقل وجد نفسه بقدرة قادر مدعوما من طرف أحزاب تقليدية ومؤهلا لشغل منصب الرجل الثالث في الدولة بحسب ترتيب دستور البلاد.

واستحوذ بوغالي على أصوات 295 نائبا، مستفيدا من دعم أكبر الكتل النيابية التي هيمنت على البرلمان، وهي جبهة التحرير الوطني والمستقلون وجبهة المستقبل وحركة البناء الوطني، بينما لم يحصل منافسه من حركة مجتمع السلم الإخوانية أحمد صادوق إلا على 87 صوتا، متجاوزا تعداد كتلته إلا بـ22 صوتا، وذلك من مجموع 407 من النواب الذين يشكلون تعداد الغرفة النيابية.  ويبدو أن الموظف البنكي والمنتخب في المجلس المحلي بمحافظة غرداية لم يتأخر كثيرا في التلويح بأوراق الولاء للسلطة ورد جميلها، بالتعبير عن "دعم البرلمان لبرنامج رئيس الجمهورية"، مما يؤشر على استنساخ النمط السابق، وتحويل الهيئة التشريعية إلى لجنة مساندة بدل أن تكون منبرا ديمقراطيا تتصادم فيه الأفكار والتصورات والانتقادات.

تجاهل الشارع

أكد بوغالي في أول مداخلة له على "أهمية العمل من أجل رفع التحدي للاستجابة لتطلعات الجزائريين الذين اختاروهم لتمثيلهم في الهيئة التشريعية". وأضاف "أمامنا كمجلس، تحديات كبيرة ورهانات كثيرة وعلينا أن نكون في مستوى تطلعات المواطنين". ودعا المجموعات البرلمانية إلى اقتراح نواب لتمثيلها في اللجان الدائمة، تكون قادرة على رفع التحدي ومستعدة للعمل من أجل خدمة المواطن ونقل انشغالاته، لأن اختيار أعضاء اللجان يجب أن يكون موضوعيا ويعتمد فقط على معيار الكفاءة.

وحملت أولى رسائل بوغالي نوايا تجريد البرلمان من محتواه السياسي والأيديولوجي، والتفرغ للمسائل التقنية، فيكون بذلك النائب مجرد موظف، تحتاجه السلطة في تمرير أجندتها وفتح الطريق أمام مخطط الحكومة. ولفتت عباراته إلى أن نواب الرئيس مدعوون للعمل في جو من التكامل والانسجام بما يؤدي إلى رفع مستوى الأداء البرلماني، ويسمح بنقل انشغالات المواطنين وإيصالها إلى السلطات المعنية.

اختيار بوغالي يكرّس إيحاءات السلطة قبل الانتخابات بدعم ترشح اللوائح المستقلة، ويؤشر على أن تولي رئاسة البرلمان لم يعد يعتمد على الشخصيات السياسية البارزة

وهو اعتراف مبطن بعقدة الشرعية الشعبية التي تلاحق البرلمان الحالي، بعدما قاطع الانتخابات نحو 80 في المئة من الجزائريين، ويبقى تحدٍّيا كبيرا أمام البرلمان للحديث باسم الشعب، خاصة وأن إحصائيات المجلس الدستوري، كشفت عن مقاعد نيابية بعشرات الأصوات فقط، كما حدث في منطقة القبائل، وأن بعض اللوائح الانتخابية لم تحصل حتى على أصوات مرشحيها في نفس المنطقة.

تعهد بوغالي بالسهر على التنسيق بين مختلف المجموعات البرلمانية، وكذا مع الحكومة من أجل إنجاح البرنامج الذي زكاه الشعب وتعهد الرئيس بتنفيذه. والتزم المتحدث بمرافقة رئيس الجمهورية كسلطة تشريعية في تحقيق الأهداف المسطرة في برنامجه مهنئا بالمناسبة الطاقم الحكومي وعلى رأسه رئيس الوزراء أيمن بن عبدالرحمن الذي حظي بثقة الرئيس تبون.

أصبح البرلمان الجزائري اليوم برلمانا من دون معارضة، لاسيما بعدما أذعنت الكتل النيابية الفائزة لإرادة السلطة، رغم أنه كان بالإمكان بناء تحالف يمكّنها من تشكيل حكومة مستقلة. وهو ما يعكسه الخطاب المستنسخ من اللغة التي يحسنها النظام السياسي القائم، والذي لم يفوت فيه بوغالي الفرصة لإسداء عبارات العرفان والشكر للجيش وكل الأسلاك الأمنية التي تسهر على حماية الوطن والذود عنه والحفاظ على أمنه واستقراره، على حد قوله. مشيدا بمجهودات كل العاملين في القطاعات الحيوية الساهرين على خدمة المواطنين في هذه الظروف التي تمر بها البلاد على غرار مختلف بلدان العالم في ظل جائحة كوفيد - 19، فضلا عن تثمين المجهودات الجبارة التي بذلها أعوان الحماية المدنية والجيش بولاية خنشلة جراء اندلاع الحرائق التي استهدفت الثروة الغابية.

ابن الجنوب في مواجهة الجنوب

ويبدو أن بوغالي لا يريد الخروج عن تقاليد الرؤساء السابقين للبرلمان بتجاهله للوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي المتدهور في البلاد، رغم أن موقعه يسمح له بأن يكون سلطة مضادة، وأن أولى خطوات استعادة ثقة الشارع هي تبني انشغالاته والدفاع عن وضعه. ومع ذلك يبقى بوغالي حصان السلطة الجديد من أجل كسر شوكة الأحزاب التقليدية التي كانت إلى وقت قريب تمثل الحزام السياسي للرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، لكنّ طريقه لن يكون مفروشا بالسجاد الأحمر، فعند أيّ اهتزاز سياسي سيجد نفسه أمام انقلاب أبيض، إذ أن حتى النواب المستقلين لا يحملون التزاما سياسيا تجاهه وإنما المصالح هي التي تحركهم.

بوغالي لم يتأخر كثيرا في التلويح بأوراق الولاء للسلطة ورد جميلها بالتعبير عن "دعم البرلمان لبرنامج رئيس الجمهورية".
بوغالي لم يتأخر كثيرا في التلويح بأوراق الولاء للسلطة ورد جميلها، بالتعبير عن "دعم البرلمان لبرنامج رئيس الجمهورية"، مما يؤشر على استنساخ النمط السابق للأداء البرلماني المعهود.

ويجزم متابعون للشأن السياسي الجزائري بأن هذا الانتخاب حمل دلالات سياسية عكست رغبة السلطة في تجنب الانتماء الحزبي لشخصية رئيس البرلمان الجديد، وذلك على خلفية الرفض القاطع لأحزاب حكم بوتفليقة من قبل الحراك، والجزائريين عموما، كما يكرس اختياره حسب هؤلاء إيحاءات السلطة قبل الانتخابات بدعم ترشح اللوائح المستقلة، ويؤشر على أن تولي رئاسة المجلس لم يعد يعتمد على الشخصيات السياسية البارزة، في إشارة إلى الرئيس السابق سليمان شنين، الذي فرضه الجيش رغم أنه ينتمي إلى تحالف إسلامي ضعيف.

ورغم دخول ورقة التوزيع الجغرافي والإثني في حسابات تولي بوغالي لرئاسة البرلمان إلا أن انفجار الاحتجاجات الاجتماعية الأخيرة وتوسعها في محافظات ومدن الجنوب يمثل أول امتحان للرجل المحسوب على المنطقة، ويقع على رقبته جزء من مسؤولية احتواء الوضع، لأن أحزاب المعارضة البربرية التي قاطعت الانتخابات التشريعية الأخيرة وهي "التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية" و"جبهة القوى الاشتراكية" ما تزال تهيمن على المجالس المحلية في محافظة غرداية.

ويبقى صمته إلى حد الآن وتجاهل كلمته الأولى أمام البرلمان للأحداث التي تعيشها محافظات جنوبية، لاسيما بعد تعرية الواقع المعيشي والخدماتي في المنطقة من طرف الشبان المحتجين، منعطفا سريعا لقياس جدارة بوغالي وعقلانية قرار السلطة في دعمه ليكون رجلها الثالث.

12