أيها المثقف التونسي.. هذه لحظتك

قادة التغيير منهم المغيبون ومنهم المنعزلون في أبراجهم.
الثلاثاء 2021/01/26
حراك الشارع يحتاج إلى المثقفين ليثمر

رغم المساهمات الفعالة للمثقفين التونسيين، سواء ضد الدكتاتورية، أو من بعد ضد أخونة تونس وضد الحركات الظلامية والعنف والإرهاب، ما رسخ وحدة التونسيين، فإنهم مؤخرا باتوا أقل حماسا وأكثر انعزالا عن الشارع التونسي، الذي يشهد حركات احتجاجية متصاعدة، طلبا لتغيير نظام أودى بالبلاد إلى الشلل الكلي.

تعيش تونس هذه الأيام على وقع احتجاجات تتوسع يوما فآخر، يقودها شباب ضد التهميش والوضع السياسي المضطرب والاقتصادي المشلول، حراك يطالب بتصحيح مسار الثورة التونسية، واستعادتها من الطبقة السياسية التي حولت وجهتها إلى المصالح الذاتية والنزاعات الجانبية.

الحراك الشبابي على عكس حراك 2011 لم يكن مدعوما من كل أطياف المجتمع، وبالأخص المثقفين، الذين صاروا شبه مغيبين عما يحدث، فبينما وظيفة المثقف هي صوت للعقل وضوء كاشف للطريق، باتت أكثر إلحاحا اليوم، في ظل إشكالات وجودية ونفسية وفكرية وحتى جمالية عميقة، فإننا نجده مستقيلا من الشأن العام، منبتا عنه، فما أسباب ذلك؟

الجدوى من الثقافة

هناك نظرة قاصرة ترى أن الثقافة بلا فاعلية في ما يحدث، ولا يمكنها تغيير الواقع، فيما تكفي نظرة بسيطة لنعرف أن تغيير الواقع يتطلب فهمه والوعي به، ولا يتم هذا إلا من خلال الثقافة، فلا تغيير من دون ثقافة.

ومن ناحية أخرى تتكاثر تعريفات المثقف، فيما سندرجه في هذا المقال على أنه كل من يقدم منتجا ثقافيا، جماليا أو فكريا.

ورغم سطوة الجوانب الاقتصادية على مختلف نواحي الحياة، فقد بان بالكاشف أنها مجرد قشرة، وأن ما يقود الدفة هو المنحى الثقافي، وهو ما أكده انتشار الفايروس، الذي أوقف العالم بأسره، أوقف الجميع منتظرين ما سيقوله المفكرون والعلماء، وقالت الفلسفة شأنها شأن العلم كلمتها.

الثقافة قاطرة تنمية اقتصادية، ولنرى الأفلام، هوليوود مثلا وما تروجه من ثقافة الاستهلاك الأميركية، وما تروجه الدراما العربية الشامية والسينما المصرية، إنها تنشر ثقافة.

الثقافة وسيلة لفهم الواقع والآخر والذات ولتركيز هوية متجددة ومنفتحة ضد “الهويات القاتلة” والانغلاق، في عالم صار مترابطا وفرض تحديات جديدة يوما فآخر.

ومن هنا نقر بمحورية دور المثقفين في ما يحدث في تونس، ما قبل الثورة وأثناءها وبعدها. المثقفون طليعة الحراك ودفته إلى التغيير الإيجابي، لكنهم اليوم بعيدون عن واقعهم، فما أسباب ذلك؟

معاناة المثقفين

مشهد ثقافي مشلول
مشهد ثقافي مشلول

يعاني المثقفون التونسيون، بكل أطيافهم من مبدعين وباحثين ومؤرخين وجامعيين وحتى محبي الثقافة، من تهميش كبير لأدوارهم في صناعة الوعي الجمعي، تهميش من مختلف الجهات، يبدأ من الدولة ذاتها التي لم تبد اهتماما بالثقافة كعنصر فاعل للتنمية والتطوير والتجديد ولم تراهن عليها، وتحولت مؤسساتها إلى مؤسسات اجتماعية لتشغيل موظفين إداريين في الثقافة، بينما لا إنتاج ثقافيا. مبدعون ومثقفون متروكون لمصيرهم، فيما الدولة تواجه واقعا ثقافيا متحركا إلى الانهيار بقوانين وأساليب قديمة ومؤسسة بيروقراطية مهترئة.

لا تولي الدولة اهتماما كافيا للثقافة ولا إلى المثقفين، متناسية أن صناعة المستقبل مرتبطة أساسا بصناعة الوعي، ولا وعي من دون ثقافة. الثقافة في تونس معزولة تماما كقطاع ومعزولة عن التأثير والفعل في الشأن العام، وكأنها لوحة للزينة، تستعملها الحكومات المتلاحقة لتزيين الرواق المظلم الذي قادت فيه البلاد، حتى أنها مساهمة في تعميم فكرة مغلوطة للناس، أن الثقافة ترفيه، كما جاء في كلمة رئيس الحكومة هشام المشيشي.

لو تسأل أي مواطن بسيط سيقول لك إن الثقافة رقص ومرح، هذا ما ترسخ في الأذهان بتواطئ واع أو غير واع من وسائل الإعلام التي سنأتي لاحقا على دورها السلبي في الإساءة للمشهد الثقافي.

تم عزل الثقافة عن مؤسسات التعليم، حيث لم تتحين البرامج التعليمية ولم يدرج كتاب ومفكرون تونسيون بشكل متوازن في المناهج، كما لا يولي التعليم اهتماما لقضايا الثقافة المتحركة، ولا يتعامل معها بالمرونة الكافية، أضف إلى الواقع المتردي للكتاب التونسي، الذي لا يقبل عليه التونسيون، لا لتراجع جودته، وإنما السبب الأساس هو تردي منظومة صناعته التي حولت الناشرين إلى مستفيدين بالملاليم من الدعم، على حساب ترويج الكتاب.

ومنظومات الدعم التي تتشدق بها الحكومات المتلاحقة على أنها هبات للمثقفين والمبدعين، لا تعدو أن تكون إهدارا للمال العام، لا تعقبه مرافقة ومتابعة لضمان حسن سير العمل، إنها إهدار مذل لمن تقدم لهم من العاملين في القطاع الثقافي والفني. ولم تحقق الإنتاجية المرجوة التي تجعل من الثقافي منتجا حيا مواكبا للتطلعات.

وبالعودة إلى الإعلام فقد تمكنت القنوات الخاصة اليوم من غزو المشهد على حساب القنوات الحكومية الكسولة، وإن كنا شاهدنا بعد 2011 استدعاء لبعض المثقفين، فإنها أقصت من كانت تعتبرهم مثقفي النظام، لكنها استدركت وقامت بإلغاء المثقفين من البرامج التي تتناول الرأي العام، وحصرهم في برنامج أو اثنين عن الثقافة في بعدها الجامعي التقني.

 ولم تكتف المنابر الإعلامية بذلك، بل قامت بتكريس الصورة النمطية للمثقف، وشوهته بشكل فظيع، على أنه المستجدي الكسول الذي يعيش في الأحلام، صاحب البرج الذي يطل منه على العوام، إلخ.. من صورة كاريكاتورية، كانت تحاول السخرية من شخصية ثرية، بهدف الإضحاك، وهي لا تدري أنها تهدم حضارة.

وهناك صورة أخرى مغلوطة هي أن الناس ما عادوا يستمعون للمثقفين، وهذا خطأ وقع الترويج له، حيث تتمتع غالبية أفراد الشعب بمستوى تعليمي معقول وليسوا أغبياء لكي لا يفرقوا بين فكرة وفكرة أو بين ما هو غث وسمين، الأطروحات والمعلومات، على تفاوت طبعا. لذا فإنهم يولون كل مثقف رصين وكل فكرة انتباههم، على تفاوت أيضا، في التعامل معها.

المثقفون هم وجه الحضارة لأي شعب من الشعوب، وما تعرضوا له بعد الثورة التونسية كان قاسيا في حقهم. مع بداية حكم الإخوان في تونس، من منا لا يتذكر المضايقات والتهديدات التي تعرض لها بعض الفنانين مثل ما حدث في معرض العبدلية واتهامه بالإساءة للدين، وما حدث ضد فيلم “لا الله لا سيدي”، وتوالت لتصل إلى تظاهرات ثقافية وإلى الفنون ورموز الأدب والفكر. ووقف المثقفون ضد كل ذلك، وساهموا في التصدي لموجات التكفير بالكلمة والفكرة والفعل الثقافي، لكن ذلك الزخم تلاشى شيئا فشيئا إلى أن وصلت تونس إلى مشهد ثقافي مشلول لم يسبق له مثيل. فهل للمثقفين مسؤولية في ذلك؟

المنعزلون والانتهازيون

نلوم أجهزة الدولة، التي عزلت الثقافة والمثقفين، ولكن أيضا دعونا نلوم المثقفين. أولا رغم أن كلمة مثقف فضفاضة جدا، ولو أردنا تعريفها لوجدنا المئات من التعريفات الوظيفية أو التجسيدية لواقعه، بين من تعتبر المثقفين هم طبقة “الأنتلجنسيا”، وبين من تراهم “البرجوازية الصغيرة”، وبين من يقر بضرورة أن يكونوا “عضويين”، إلخ.. لكن جل هذه التعريفات لا تلغي دور المثقف في محيطه، بل تكرسه من زوايا مختلفة.

الكثير من المثقفين استقالوا من المشهد العام المتقلب، ربما لم تكن لديهم الآليات الكافية لفهمه أو تفكيكه، وهو المتحرك بسرعة لم يسبق لها مثيل. ربما فشل المثقفون التونسيون في تقديم مقاربات مرنة، على نواح مختلفة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، وخاصة في ما يتعلق بمجالات لصيقة بهم كالتعليم والبحث العلمي والصحافة وحتى التاريخ البعيد والقريب.

وتغيب المقاربات التي كان يرجوها الناس من المثقفين، الذين فيهم من هاجر تاركا البلاد لعلاتها، وفيهم من اختار الصمت، وآخرون ظلوا يكررون مقولات سابقة دون أدنى اهتمام بحركة الزمن والواقع.

المثقفون هم وجه الحضارة لأي شعب من الشعوب، وما تعرضوا له بعد الثورة التونسية كان قاسيا في حقهم

وعلاوة على هؤلاء نجد ممن يرون في أنفسهم مثقفين، يضربون عزلة بينهم وبين العوام، يعممون أفكارهم بنظرة احتقار، لو يعلمون هي تصيب ذواتهم قبل إصابة غيرهم. هؤلاء تقنيو معرفة، لهم موسيقاهم وملامحهم وحياتهم وأدبهم وكتبهم ويومياتهم البعيدة كليا عما يعيشه الناس، وغالبا ما يكون هؤلاء من الفراكوفونيين، ممن استفادوا من خدمة الأنظمة السابقة.

صورة أخرى يمثلها مثقفو اليسار، وهؤلاء ملتحمون بقضايا شعبهم في الظاهر، يدعون في الغالب إلى استكمال مسار الثورة، أطروحاتهم غالبا ما تكون عنيفة تنشغل في الأغلب بتفنيد الأطاريح المضادة، هؤلاء وإن كانوا في الظاهر قادة ثقافيين ميدانيين، فإنهم في الحقيقة محكومون بزاوية نظر أيديولوجية، لن تمكنهم من النظر أبعد مما تسمح به توجهاتهم السياسية، والبعض منهم كان أكثر مرونة، ولكنه بقي مهمشا.

أما مثقفو اليمين، فهم الفئة التبريرية المخادعة، ومن بينهم من انخرط مع حركة الإخوان المسلمين صادحا بما يصدحون، أو كيف يمكننا أن نفهم شخصا يدعي الفلسفة يقول إن قطاع السياحة، الذي يشغل الآلاف، هو دعارة.

أثبت الكثير من المحسوبين على طبقة المثقفين بعد الثورة التونسية انتهازية كبيرة، منهم من انخرط في الفعل السياسي وانقلب ما إن نجح في الانتخابات على كل وعوده، ومنهم من اكتفى بمنصب مدير لمؤسسة حكومية، وآخرون تستعملهم الأحزاب لمقارعة خصومها، وآخرون لم يتمكنوا من افتكاك نصيب من “الطورطة” فاتجهوا إلى الضفة المقابلة لا وظيفة لهم غير اللعن والاحتجاج الفارغ من الجدوى.

الصور كثيرة لمثقفي تونس، ولو كما أسلفنا أن المصطلح فضفاض يروم تصور المشهد في كليّته. ويمكننا الإقرار بأن إشكالية المشهد الثقافي في تونس، فيها ما هو مرتبط بالدولة، وهي التي تتحمل المسؤولية الكبرى لما آلت إليه الأمور،  وفيها ما يتعلق بالمثقفين أنفسهم على اختلاف مشاربهم، الذين تشابكوا، لأجل مصالح ضيقة، فغابت الثقافة وحضرت ذواتهم.

إنها لحظة حاسمة في تاريخ تونس اليوم، على المثقفين كما كانوا بناة للجمهورية الأولى، ومدافعين عن الجمهورية الثانية، أن يتصدوا لحماية البلاد وأهلها، من أفكار التطرف ومن الفوضى والتقاتل، عليهم أن يكونوا صوت العقل الذي يغير لا الذي يبرر، عليهم أن يكونوا تونسيين بحق.

15