أوريست في الموصل: ما الذي نتعلمه من القتل؟

المخرج السويسري ميلو راو يبعث من خلال عرضه المسرحي أبطال التراجيديا اليونانية في الموصل المدمرة.
الأحد 2019/09/15
كليمنسترا تقتل أغاممنون

لا يقتصر الجهد الفنّي لدى ميلو راو على مساحة الخشبة الماديّة، هي فقط وسيطة واحدة ضمن مجموعة التقنيات التي يستخدمها، فالأهمّ ما يحدث خارجها كمساحة التصوير الخارجية، وتاريخ الممثل وغيرها من الأدوات التي تظهر أمامنا لطرح أسئلة فنيّة وسياسيّة موجهة للمسرح نفسه، الذي قد نعيد فيه “اللعب” الذي مورس سابقا، سواء كان مُتخيّلا يقوم به الممثلون، أو استرجاعيا يقوم به هواة شهدوا أحداثا مهولة، كل هذا ضمن تقنية العمل التي شرحها راو في “مانيفستو غاند” الذي أصدره العام الماضي، جاعلا المسرح مزيجا من الفنون البصريّة وتمرينات التمثيل والكتابة للمحترفين والهواة.

  يستضيف مسرح الأماندير في ضواحي باريس عرض “أوريست في الموصل” من تأليف وإخراج ميلو راو الذي يقتبس فيه من ثلاثية أوريست لأسخيلوس لقراءة تاريخ الموصل، لكن بداية، ولفهم العرض، لا بدّ بداية من الإشارة إلى أنه أُنجزَ سابقا في الموصل التي زارها ميلو راو وفريقه ليعملوا مع ممثلين عراقيين، إذ صوّر هناك مشاهد تُعرض على الخشبة أمامنا في باريس، واستخدم ديكورا يتطابق مع مساحات الموصل التي عمل ضمنها راو، وذلك في سبيل إيجاد نقاط مشتركة بين القتل التراجيديّ اليونانيّ والقتل الذي مارسه داعش، سائلا، هل يمكن الصفح عمن قتلوا العراقيين كما صفحت أثينا عن أوريست؟

يقرأ راو تاريخ الموصل ويقتبس منه، منذ الآشوريين حتى صدام حسين والغزو الأميركيّ ثم داعش وهزيمته، مؤرخا للأماكن والعنف الذي شهدته، فأعداد القتلى العراقيين تذكر على ألسنة من أمامنا كعلامات على العنف الذي تعرضت له البلاد، ليخبرنا بعدها الممثلون “الأوروبيون” الذين لعبوا من قبل أدوارا في “الأوريست” عن تجربة تأديتها في الموصل، إذ ينتقل الواحد منهم بين شخصيته وبين تاريخه كممثل كاشفا لنا عن علاقته الشخصيّة مع فنّ التمثيل.

يقرأ راو تاريخ الموصل ويقتبس منه، منذ الآشوريين حتى صدام حسين والغزو الأميركيّ ثم داعش وهزيمته
يقرأ راو تاريخ الموصل ويقتبس منه، منذ الآشوريين حتى صدام حسين والغزو الأميركيّ ثم داعش وهزيمته

ذات الأمر مع العراقيين في الموصل الذين شاركوا في العرض، ونراهم على الشاشة أمامنا، يخاطبون أولئك الموجودين على الخشبة، من ضمنهم ممثل ترك العراق منذ سنوات ويؤدي الآن دور أوريست، وممثلة من أصول عراقيّة تلعب دور كاسندرا، المشترك دوما أن هناك عنفا من “أعلى” يمارس باسم الآلهة، التي “توظّف” يدا مُلطخة بالدماء للقتل، سواء كانت يد أوريست، أو أيدي مقاتلي داعش وبعض من تعاون معهم، وكأن الجميع أسرى الانتقام والقتل القدريّ، الذي لا يتوقف إلا بقرار “الحياة” الذي يتفق عليه كلّ المتضررين.

القتل وإعادة تمثيله

ينشر الممثلون الرعب بين الجمهور عبر تأدية مشاهد القتل، سواء ذاك الحميمي الذي يمارس باليد كالخنق والطعن أو ذاك الذي يستدعي الإعدامات التي كان ينفذها تنظيم داعش، وهنا يبرز أسلوب راو في توظيف التكرار لتفكيك مفاهيم العنف بوصفه دورة تختلف أشكال تجليها، فكاسندرا تُقتل بذات الوضعيّة التي كان يقتل فيها تنظيم داعش ضحاياه، لنرى أنفسنا أمام عنف استعراضيّ يبث الهلع حتى لو كان لعبا، هذا العنف ذكوريّ أيضا وممتد في الزمن، إذ  كان التنظيم يرمي المثليين من شاهق، وتقتل النساء وتسبى، وهنا يخبرنا الممثلون عن صعوبات الأداء في العراق، كالقلق الذي أثارته مشاهد التقبيل التي رفض بعض الممثلين أن تؤدّى كونها ستثير جدلا كبيرا، ليتجلى الرعب كنتيجة للعنف الشديد، هو أشبه برعشة تمر في الجسد وشعور بالتهديد يملأ المكان قبل أن يفكر الفرد بما يريد أن يفعله، حتى لو كان الأمر مجرد “لعب” مسرحيّ.

العنف التراجيدي والسياسي

العرض شديد القسوة، ويحيلنا إلى العنف الذي مارسه داعش على سكان الموصل من القتل حتى منع الموسيقى والتصوير، لكن لا بّد من طرح سؤال عن مدى تماسك إسقاط العنف التراجيديّ الغربيّ الذي ولّد “الديمقراطيّة” حسب تأويلات راو، على العنف الذي مارسه تنظيم داعش، فالعنف التراجيديّ يحصل على مستوى الأسرة الحاكمة، وهدفه حرب خارجيّة أو صراع على السلطة، أي أن جسد أيفيغينيا قدّم كأضحية، لنقل الحرب إلى الخارج، هي ذبيحة، ذات دماء نبيلة.

أما الشعب فيقرر في النهاية فقط مسامحة أوريس قاتل والدته في سبيل إقامة السلام في مساحات السيادة، في حين أن عنف تنظيم الدولة استعراضيّ، وتأديبيّ على مستوى شعبي ويخلق الرعب على مستوى عالميّ، ولا يختزل أشكال العنف الأخرى داخل المدينة.

الموصل شاهدة على عنف تاريخي
الموصل شاهدة على عنف تاريخي

وهذا ما نراه حين يؤدي العراقيون في الموصل دور الجوقة التي تصوت على مصير أوريست، لينتهي الأمر بالصفح عنه، لكن حين يعاد التصويت خارج إطار “اللعب”، ويخرج الممثلون العراقيون من شخصياتهم، نراهم يرفضون الصفح، ويطلبون محاكمة كل من قتل أو ساهم بالقتل، أي لا ديمقراطيّة جديدة ستنشأ، لأن العنف ومولّديه مازالوا “أحرارا”.

تحضر المادة الوثائقيّة بصورة كبيرة في العرض عبر صور الموصل وحياة سكانها وفي النهاية حين يتسلل واحد من الممثلين إلى مخيم يحوي أسر مقاتلي داعش المعتقلين، لنسمع تسجيلا هناك دار بين الممثل وبين واحدة من المعتقلات التي اختطفت من مدرستها على يد مقاتلي التنظيم، وانتهى بها الأمر بعد هزيمة داعش أسيرة بعيدة عن أطفالها وأسرتها، ليتحول المسرح إلى مساحة لا فقط لسرد الحكايات واختبار تقنيات التمثيل وجدواها، بل أيضا لاكتشاف الحقيقة السياسية التي تختفي وراء الصور.

فالممارسات الإمبريالية -حسب تعبير راو- التي تظهر في الأوريست والحرب التي شنّها أغاممنون على طروادة، تشابه الحرب التي شنّتها قوات التحالف على داعش وتحولت إثرها الموصل إلى ما يشبه مدينة أثرية قديمة، لكن وحسب تعبير راو أيضا، يحوي العرض تحديا للخطر، سواء ذاك الحاضر في عقول الأوروبيين الذين يمتلكون صورة مسبقة عن العراق، أو الذي هدد الممثلين والعاملين في العرض في الموصل بسبب التابوهات التي حاولوا تقديمها.

الفن بمواجهة العنف

يشاهد أحد الممثلين الأوروبيين على الخشبة فيديو انفجار سيارة مفخخة في مكان التدريب في الموصل، ويقول إنه يرى العنف، ويؤديه أحيانا، لكنه يقف مشلولا أمام صوره الحقيقية التي تحوي الدماء والأشلاء، وهذا ما يحاول العرض أن يكشفه، عبر تحويل العنف إلى مفهوم يستمر في الزمان والمكان حتى لو لم يكن واضحا، أشبه بألم مُزمن خفيّ، لتأتي التجربة المسرحيّة كمحاولة لفهم هذا الألم، وتسميته، وأحيانا استئصاله، ما يكسب التجربة الفنيّة بعدا سياسيا وإنسانيا، بوصفها تحوي خلاصا من نوع ما، إذ نشاهد منذ بداية العرض فرقة موسيقية تعزف أمام معهد الموسيقى المدمّر في الموصل، ولم تتوقف عن العزف حتى حين كان داعش يحتل المدينة، وكأن هناك خطا خفيّا تشير له التجربة الفنيّة، يمكن للشخص أن “يتداوى” في حال عبره.

15