أنس جابر قصة نجاح امرأة تونسية تنكّرت الدولة لإنجازاتها

نجمة ملاعب الكرة الصفراء التي تتألق في صمت.
الخميس 2021/06/17
أنس جابر تتميز بروح انتصارية

تعتبر الرياضية ولاعبة كرة المضرب أنس جابر نموذجا للمرأة التونسية المتألقة في مجالها على غرار العديد من القطاعات الأخرى. وسطع نجم هذه اللاعبة العربية في عالم الكرة الصفراء في السنوات الأخيرة عبر نجاحاتها وإنجازاتها العديدة في البطولات القارية والدولية، وسط صمت “رهيب” من الهياكل الرياضية للدولة التي يرى مراقبون أنها قصّرت ولا تزال في حقّ كل النساء الرياضيات وتنكّرت لإبداعات جابر التي تشتغل بمجهوداتها الخاصة وبعيدا عن الأضواء.

وتقدم جابر، ابنة الـ26 ربيعا التي صعدت لتكون ضمن المراكز الـ24 الأولى في التصنيف العالمي لمحترفات التنس، ونالت جائزة أفضل رياضية في تونس لعام 2019، نموذجا من قصص النجاح التي تخطها النساء في مجالات مختلفة ومن ضمنها الرياضة.

وككل مرة شدّت البطلة التونسية والعربية الجماهير إليها مؤخرا في بطولة فرنسا المفتوحة (رولان غاروس) التي غادرتها من الدور ثمن النهائي بعدما بلغته بفوزها على البولندية ماغدا لينيت، لكن الحظ لم يكن حليفها في مواجهة البطلة العالمية الأميركية كوري غوف المصنفة 25 عالميا والتي تأهلت على حساب مواطنتها جينيفر برادي المصنفة 14 عالميا بعد أن قررت الأخيرة الانسحاب.

وللمرة الثانية في أربع مشاركات تبلغ فيها جابر الدور ثمن النهائي للبطولة الفرنسية بعد الأولى العام الماضي عندما خرجت على يد الأميركية دانييل كولينز.

وعلّقت جابر على وداعها رولان غاروس في تدوينة نشرتها عبر صفحتها على فيسبوك أظهرت فيها صلابتها وتطلعاتها إلى مستقبل أفضل. وكتبت “شكرا رولان غاروس. سأعود أقوى. حظا سعيدا لكوري غوف الممتازة. لا يجب أن نستسلم أبدا”.

لطالما أملت اللاعبة التونسية في تكرار إنجاز بطولة أستراليا المفتوحة الذي حققته العام الماضي عندما أصبحت أول لاعبة عربية تبلغ الدور ربع النهائي في إحدى بطولات الغراند سلام، قبل أن تخسر أمام الأميركية صوفيا كينن التي توّجت باللقب.

صراعات تدمّر الرياضة

وانتقدت أوساط رياضية تونسية ضعف سياسات الدولة في التعاطي مع قطاع الرياضة، حيث حال تغيير وزراء الرياضة في الحكومات المتعاقبة ما بعد ثورة يناير 2011 دون وضع خطط واستراتيجيات واضحة للعمل وتحقيق نتائج منتظرة.

وأفاد شاكر بالحاج الناقد الرياضي وعضو لجنة الإعلام في الاتحاد الدولي للسباحة بأن “هناك عشر سنوات ضياع للدولة التونسية، والرياضيات مررن بظروف صعبة على غرار العداءة حبيبة الغريبي (أكبر فضيحة للدولة) ولاعبة كرة المضرب أنس جابر».

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أنه وفي ظل ما سماه بالخور القائم في البلاد والصراعات السياسية والتجاذبات بين مكونات المشهد، فإنه “لا يوجد اهتمام بالقطاع الرياضي، وهؤلاء لا تهمّهم أنس ولا غيرها على غرار إيناس البوبكري وعزة بسباس (المبارزة بالسيف سلاح الشيش) ونهال الشيخ روحو (رياضة الجيدو)”، وأضاف قائلا “اليوم أكثر من عشر سنوات لا توجد أيّ استراتيجية أو خطة للعمل بخصوص الرياضيات في ظل تعدد الوزارات».

وزارة شؤون الشباب والرياضة تعاقب عليها 11 وزيرا منذ العام 2011، ورغم ذلك لا توجد أي استراتيجية أو خطة للعمل بخصوص الفتيات الرياضيات.
وزارة شؤون الشباب والرياضة تعاقب عليها 11 وزيرا منذ العام 2011، ورغم ذلك لا توجد أي استراتيجية أو خطة للعمل بخصوص الفتيات الرياضيات.

وتداول على منصب وزارة شؤون الشباب والرياضة منذ 2011، 11 وزيرا، وهم محمد علولو وسليم شاكر وطارق ذياب وصابر بوعطي وماهر بن ضياء وماجدولين الشارني (التي حطّمت الرياضة التونسية حسب رأي شاكر بالحاج)، ثم سنية بالشيخ، فأحمد قعلول وأسماء السخيري وكمال دبيش وصولا إلى سهام العيادي.

وأردف الناقد الرياضي أن “كل وزير يعطي وعودا لأنس جابر ولا يفي بإنجازها نظرا لغياب الخطط الوطنية من سلطة الإشراف ليتمكن الرياضيون من أخذ مستحقاتهم في الوقت المناسب ويستطيعوا المشاركة في مختلف التظاهرات والمنافسات”.

وأضاف أن “الأحزاب لا تملك برامج في المجال الرياضي، وعلى أهل الاختصاص والمشرفين على الرياضة أن ينخرطوا في الأحزاب لتغيير الواقع الرياضي”، لافتا إلى أن “أنس جابر وصلت إلى الدور ربع النهائي في دورة أستراليا المفتوحة للتنس العام الماضي وفي ظل الصعوبات الكبيرة وكأنها فازت بالدورة، لأنها حققت نتائج من لا شيء”.

وشدّد بالحاج على أن “تحقيق النتائج الجيّدة والمنافسة على أدوار متقدمة في مختلف المسابقات يحتاجان إلى برامج واضحة من الدولة ترصد لها الإمكانيات وممهدات النجاح».

وعلى الرغم من تلك الإنجازات اللافتة حسب النقّاد والمتابعين للشأن الرياضي، إلا أن البطلة التونسية ظلت منذ سنوات تعتمد على مجهودات خاصة في مشاركاتها في البطولات الكبرى في ظل تراجع دعم الدولة للرياضة ومحدودية الإمكانيات والوسائل.

ويرى مراقبون أن الدولة التونسية بمختلف هياكلها تنكّرت لإنجازات النساء في مختلف القطاعات وفي مقدمتهن جابر التي كثيرا ما أدخلت الفرحة على بيوت التونسيين رغم تأزم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.

انتصار في بلد مأزوم

تألق جابر من بطولة إلى أخرى يرفع من معنويات الشباب التونسيين "المحبطين" من ممارسات المشهد السياسي المتشرذم والغارق في الأزمات

تقول يسرى فراوس رئيسة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات إن أفضل ما يحدث في تونس في السنوات الأخيرة هو نجاح جابر، وتضيف “لأننا نعرف جيدا أنه من أكبر المعرقلات للمرأة هي أن تمارس الرياضة، لاعتقاد الناس أنه نشاط ذكوري بالأساس ويتطلب اهتماما وتنقلات وجملة من الإمكانيات».

وتضيف فراوس لـ”العرب” أنه في سياق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية “فقد أدخلت جابر الفرحة على التونسيين، وهي انتصار لكل النساء التونسيات، وانتصار مضاعف للمرأة في بلد مأزوم وفي مجتمع ذكوري يعتبر أن كل الأعمال التي ترتكز على الجسد إنما هي حكر على الرجال».

وحول تنكّر الدولة التونسية في ظلّ محدودية الموارد والإمكانيات لإنجازات جابر ومختلف النساء المتألقات في مجالات مماثلة، تقول فراوس إن “الدولة التونسية دولة ناكرة لإنجازات النساء التونسيات في كل القطاعات، وهي تستكثر حتى الإشادة بدور عاملات الفلاحة في عربات الموت اللائي يجتهدن لإيصال الغذاء من الضيعات للمواطنين».

وتتابع متسائلة “هل تذكرت الدولة النساء اللائي يحاربن جائحة كورونا في المستشفيات؟ حالة نكران الدولة للنساء قديمة في الرياضة والبحث العلمي والشابات اللائي يغامرن ويحصلن على جوائز عالمية خارج تونس، وكل النساء اللائي قدمن إنجازا فهو بمجهودهن الخاص”، لافتة إلى أنه “تم تبخيس النساء منذ 2011 وتقزيم ووصم للرياضة المخصصة للفتيات”.

وتؤكد أنها تلقت شهادات متواترة لرياضيات في هذا الصدد، حيث “توجد تفرقة في الأجور والحوافز مقارنة بالذكور، والرياضات النسائية تم استهدافها بشكل خاص مثل أنس جابر في كرة المضرب ومن قبلها العداءة حبيبة الغريبي، وهذه عملية ممنهجة في تونس”.

روح التحدي

جابر تتميّز بروح متحدّية وإصرار كبير على صناعة مسيرة تاريخية في مجالها، وهي ذات عزيمة قوية لمواجهة منافسات شرسات في مناسبات دولية، لإثبات قدرة المرأة التونسية على المنافسة والانتصار ونيل التتويجات.
جابر تتميّز بروح متحدّية وإصرار كبير على صناعة مسيرة تاريخية في مجالها، وهي ذات عزيمة قوية لمواجهة منافسات شرسات في مناسبات دولية، لإثبات قدرة المرأة التونسية على المنافسة والانتصار ونيل التتويجات.

وبخصوص إمكانية تدارك سلطات الإشراف لذلك الوضع المختل والدخول على الخط من أجل الاهتمام بالرياضيات التونسيات على غرار جابر خصوصا بعد الإنجازات المحققة، تقول رئيسة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، إن “الدولة غير معنية بالتونسيات، وبكل حُرقة تبيّن ذلك حتى من خلال ما تقدّم من إنجازات، وهل أنس جابر مطالبة بإنجازات أكثر مما قدّمت؟”.

وتتميّز جابر بروح انتصارية متحدّية وإصرار كبير على صناعة مسيرة تاريخية في مجالها، وهي ذات عزيمة قوية لمواجهة منافسات شرسات في مناسبات دولية، لإثبات قدرة المرأة التونسية على المنافسة والانتصار ونيل التتويجات، والقطع مع العقلية الذكورية التي ما زالت منتشرة في البلد، والتي تروج إلى أن الرياضة وكل مجهود جسدي يبقى حكرا على الرجال دون سواهم.

نجحت البطلة التونسية في لفت أنظار الجمهور التونسي والعالمي المتيّم بالكرة الصفراء، وتمكنت من استقطاب فئة واسعة من المشاهدين على حساب كرة القدم، الرياضة الشعبية الأولى في العالم، كما كسرت الصورة النمطية عن رياضة التنس باعتبارها رياضة نخبوية وجمهورها عادة من النخبة.

ومن بطولة إلى أخرى يرفع تألق جابر من معنويات الشباب التونسيين “المحبطين” من ممارسات المشهد السياسي المتشرذم والغارق في الأزمات، لتقدم نموذجا عن صورة تونس المشرقة القادرة على تجاوز عثراتها بإصرار وثقة كبيرين. وليس أدل على ذلك تأهلها في بداية هذا الأسبوع إلى الدور الثاني من بطولة برمنغهام للتنس بعد فوزها على الأميركية كاترين ماكنالي.

التونسيون يرون أن الدولة بمختلف هياكلها، تنكّرت لإنجازات النساء في مختلف القطاعات وفي مقدمتهن جابر التي أدخلت البهجة إلى بيوتهم.
التونسيون يرون أن الدولة بمختلف هياكلها، تنكّرت لإنجازات النساء في مختلف القطاعات وفي مقدمتهن جابر التي أدخلت البهجة إلى بيوتهم.

 

12