أماكن وهمية خالدة

في مقهى فلور الباريسي يُقال لك إن الفيلسوف جان بول سارتر كان يجلس في تلك الزاوية. معلومة لا تنفع في شيء ولكنها تهب المقهى نوعا من الجاذبية السياحية.
الاثنين 2021/04/05
أجواء الطاحونة الحمراء كما رسمها هنري دي تولوز لوتريك

هناك مطعم يبيع الشاورمة يقع قريبا من ملهى الطاحونة الحمراء في حي بيغال بباريس. تأخذ وجبتك وتمشي. وكنت دائما أجلس مقابل الطاحونة الحمراء لأتناول وجبتي تلك.

هل كنت أذهب إلى هناك من أجل الشاورمة اللذيذة أم من أجل التمتع بالنظر إلى ذلك الملهى الذي يذكرني بالفنان الانطباعي هنري دي تولوز لوتريك (1864 ــ 1901)؟

حين رأيت معرضا شاملا للرسام الفرنسي في تيت بريتان بلندن لم تختلط لوحاته برائحة اللحم المشوي، تبيّن لي أن ما كنت أظنه حقيقيا لم يكن سوى وهم.

يمكن النظر إلى لوتريك من غير التفكير في الشاورمة التي يمكن أكلها من غير التفكير في لوتريك. ما من علاقة بين الاثنين. وعلى العموم فإن الطاحونة الحمراء لم يكن سوى ملهى، أما أعمال لوتريك فقد سكنت المتاحف. العلاقة الوحيدة بين الإثنين يمكن العثور عليها في السينما. لوتريك كان هناك. هذا ما يقوله فيلم سينمائي. أتذكّر بيت رامبرنت في أمستردام. كنت أسكن قريبا منه. لم يكن في ذلك المبنى ما يُذكر بعبقري عصر الباروك. لا شيء.

فبعد أن غادر رامبرنت ذلك البيت ليلا إلى لايدن هربا من الدائنين، قامت البلدية ببيع كل الأثاث المنزلي بما فيه الأدوات التي كان يستعملها في الرسم من أجل تسديد جزء من ديونه. لم يبق شيء يذكر به.

ما نراه اليوم في ذلك الصرح السياحي هو مجرّد أثاث زائف يشبه الأثاث الأصلي. أما الجدران فإنها لا تشير إلى شيء مختلف يميّز ذلك البيت عن البيوت التي تجاوره.

في مقهى فلور الباريسي يُقال لك إن الفيلسوف جان بول سارتر كان يجلس في تلك الزاوية. معلومة لا تنفع في شيء ولكنها تهب المقهى نوعا من الجاذبية السياحية. وهو ما يحدث في الكثير من الأماكن التي كان يرتادها المشاهير بشكل دائم.

حين زرت قبل عقود الغرفة التي سكن فيها فرانتس كافكا في قلب العاصمة التشيكية براغ توهّمت أنني سأجد غريغوري سامسا بطل رواية “المسخ” نائما في فراشه. شيء من الإيحاء يقع فينسى المرء قيمة ما يقوم به ولا يفكر إلاّ بالطريقة التي يُراد له أن يفكّر من خلالها.

16