ألمانيا في مهمة صعبة على رأس الاتحاد الأوروبي المتعثر

التوافق على خطة إنعاش أوروبية وكبح التدخلات الصينية أبرز التحديات.
الخميس 2020/07/02
ألمانيا تتسلم ملفات خلافية تهدد مستقبل أوروبا

تسلمت ألمانيا، أكبر قوة اقتصادية في أوروبا، الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي من كرواتيا الأربعاء، وسط انقسامات أوروبية حادة عمقتها الخلافات بشأن استراتيجيات مواجهة تداعيات وباء كورونا الاقتصادية وتدخلات خارجية متنامية تشوش على استقلالية القرار الأوروبي، ما يجعل برلين أمام مهمة صعبة لتجاوز كل هذه التحديات.

برلين - تأمل ألمانيا، خلال رئاستها للاتحاد الأوروبي على امتداد ستة أشهر، في ردم هوة الخلافات التي تعصف بالاتحاد الأوروبي عبر تحقيق هدفين استراتيجيين هما التوصل إلى اتفاق حول خطة إنعاش أوروبية للخروج من تداعيات وباء كورونا الاقتصادية في ظل معارضة من دول الشمال الأوروبي، إلى جانب المحافظة على سياسة خارجية مستقلة تتربص بها التدخلات الصينية.

وتنطلق الرئاسة الألمانية وسط ضجة كبيرة بقمة للقادة الأوروبيين في 17 و18 يوليو الجاري في بروكسل، تعتبر حاسمة لمستقبل أوروبا.

وستحاول الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد التوصل إلى اتفاق حول خطة إنعاش بقيمة 27 مليار يورو في مواجهة كورونا، بأموال يتشارك الاتحاد الأوروبي للمرة الأولى استدانتها، بعدما وافقت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل على كسر واحد من المحرمات السياسية في ألمانيا لتحقيق ذلك.

وللتوصل إلى تسوية يجب التغلب على تحفظات أربع دول توصف بـ”المقتصدة”، أي تؤيد صرامة الموازنة، وهي هولندا والنمسا والسويد والدانمارك، المتحفظة جدا على مشروع يفترض أن يعود بالفائدة على دول الجنوب أولا، الأكثر تضررا بالوباء.

وحث وزير الخارجية الألماني هايكو ماس الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على الاتفاق سريعا على خطة إعادة الإعمار لإخراج الاتحاد من أزمة وباء كورونا. وقال ماس في تصريحات للقناة الثانية في التليفزيون الألماني (زد دي أف) الأربعاء “المهم هو أن تتمكن دول مثل إيطاليا أو إسبانيا، التي تضررت بشدة من أزمة كورونا، الآن وعلى نحو سريع من الحصول على هذه الأموال”، موضحا أن استغراق المزيد من الأسابيع للتوصل إلى اتفاق لن يساعد هذه الدول.

ويرى متابعون أنه في حال تغلب ألمانيا على تحفظات الدول الأربع – هولندا والنمسا والدنمارك والسويد – المعارضة لخطة النهوض الاقتصادية بصيغتها الحالية، تكون ولاية برلين على رأس الاتحاد الأوروبي قد كللت جزئيا بالنجاح.

وتأمل هولندا والنمسا والدنمارك والسويد بأن يتم إقرار مساعدة طارئة للدول الأوروبية المتضررة بشدة، على أن تكون في صيغة قروض لمرة واحدة بشروط ميسّرة يتم منحها في غضون عامين. وترفض هذه الدول تشارك الدين، فهي تعتبر أنه يخوّل للاقتصادات الأوروبية الأقل التزاما بالضوابط والأكثر ضعفا من الاستفادة بغير وجه حقّ من قروض منخفضة التكلفة بفضل اقتصادات دول شمال القارة الأكثر قوّة.

وإذا تم التوصل إلى اتفاق بشأن هذه الخلافات، ستكلل الرئاسة بالنجاح لكن جزئيا بوجود مشكلة كبرى أخرى هي بريكست.

دول شمال أوروبا تتحفظ على خطة إنعاش اقتصادية يفترض أن تعود بالفائدة على دول الجنوب الأكثر تضررا
دول شمال أوروبا تتحفظ على خطة إنعاش اقتصادية يفترض أن تعود بالفائدة على دول الجنوب الأكثر تضررا 

وبعد أسابيع من المحادثات، بدأ الاتحاد الأوروبي وبريطانيا التي غادرت الاتحاد لكنها تواصل تطبيق القواعد الأوروبية حتى 31 ديسمبر، مفاوضات مكثفة تستمر خمسة أسابيع حول العلاقة بينهما في مرحلة ما بعد بريكست. وفي حال لم يتم التوصل إلى اتفاق بحلول ذلك الوقت، فستطبق حصرا قواعد منظمة التجارة العالمية، مع الرسوم الجمركية المرتفعة والرقابة الجمركية الشديدة على المبادلات التجارية بين هؤلاء الشركاء. ومن شأن ذلك إضعاف الاقتصادات الأوروبية المتضررة أصلا من فايروس كورونا.

وعلى ألمانيا أيضا معالجة القضايا الخلافية بشأن الهجرة وقانون دبلن المثير للجدل إلى جانب قضية تغيير التوقيت الصيفي التي لم تحظ حتى الأن بإجماع دول التكتل.

وعلى مستوى استقلالية القرار داخل الاتحاد الأوروبي، تجد ألمانيا نفسها أمام تحديات كبح التدخل الصيني في شؤون دول القارة، بعد أن استغلت الأخيرة التراخي الأوروبي في نجدة إيطاليا خلال فترة تفشي الوباء والانكفاء الأحادي في مواجهة الجائحة في توجيه مساعدات طبية إلى روما، ما خلف حالة من الغضب في صفوف الإيطاليين تعالت معها أصوات منادية بالانفصال عن الاتحاد الأوروبي ومشككة في جدوى الوحدة إن لم يتم تفعيلها زمن الأزمات. وترى بكين في روما التي تعاني أزمات اقتصادية متتالية مع ارتفاع حجم ديونها خاصرة أوروبا الهشة للتدخل في القرار السياسي الأوروبي.

وفي مارس 2019، وقعت إيطاليا مذكرة تفاهم مع الصين لانضمامها إلى مبادرة “الحزام والطريق” لتصبح روما بذلك أولى دول مجموعة السبع الصناعية التي أعلنت انضمامها للمبادرة، الأمر الذي يضيف ثقلا جيوسياسيا لبكين في القارة الأوروبية. وطالب وزير الخارجية الألماني بموقف أوروبي موحد تجاه الصين وقال “من المهم في موضوع الصين أن نتصرف كأوروبيين، وألا تبحث كل دولة عن طريقها الخاص”.

وأضاف “الصين أحد النماذج التي توضح أنه ليس لدينا فرصة لتأكيد مصالحنا وقيمنا إذا فعلنا ذلك كأوروبيين، فكل على نحو منفرد ضئيل على القيام بذلك”.

5