أكرم الزعتري لبناني ينقّب في ماضي الصور بحثا عن الحقيقة

فنان يطمح لاختراع أشياء وأحداث جديدة مادتها الصور الفوتوغرافية.
الأحد 2021/10/10
المغرم بفن الصورة حدّ الذوبان

غرام الصورة ليس هيّنا. يمكنك من خلاله أن تدخل إلى الزمن بطريقة رخية ومترفة. ستكون صديقا محبا للجميع وسيهبك الزمن كنوزه التي لا يمكن أن تُستنفد. ذلك لأن نفائسها تزداد جمالا وقيمتها ترتفع مع الوقت. ستعيش حلمك كما لو أنه امتداد لحياتك التي لم تعشها بعد.

اللبناني أكرم الزعتري عثر على معنى حياته في الصور. يعشق التصوير الفوتوغرافي. ذلك ما دفعه إلى عشق صور الآخرين وجمعها. لا يحب أن ينتمي عمله إلى الأرشفة فهو يجمع الصور القديمة لكن ليس بطريقة تقليدية. أقام معارض بصور الآخرين غير أن أفكاره جعلت من تلك الصور مجرد عناصر في سرد حكاية شخصية.

بطل غير مرئي في أفلامه

فن غير مرئي

حين ساهم الزعتري عام 1997 في تأسيس "المؤسسة العربية للصورة" كان يحلم بتأسيس تاريخ مجاور للمنطقة هو ذلك التاريخ الذي ترويه الصور، إضافة إلى أن المؤسسة كانت متحفا للصورة في العالم العربي في مختلف مراحلها. ذلك متحف مزدوج الهدف. فهو من جهة يستلهم الحكاية التاريخية من الصور ومن جهة أخرى يحتفي بالصور لذاتها. التاريخ الذي يسجله التصوير وتاريخ التصوير في الوقت نفسه.

الزعتري هو في الأساس منتج أفلام "وثائقية". سيكون علينا أن نضع مصطلح "وثائقية" بين قوسين دائما لأن تلك الأفلام ليست وثائقية تماما دائما. ذلك لأن الفنان يتسلل إلى أفلامه باعتباره بطلا غير مرئي. في حقيقة ما يفعل فإن الزعتري يكتب يومياته عن طريق مادة فيلمية. إنه يسخر كل ما يعثر عليه من مواد تصويرية في خدمة توضيح الوضع الإنساني الذي يعيشه في لحظة حرجة من التاريخ.

"لقد عشت" يمكنه أن يقول، لكنه يعني العيش بطريقة مختلفة. لقد عاش حياته وعاش حياة الآخرين معا من خلال الصورة بعد أن صار يختبر قدرته على اختراق حياة الآخرين ليشكل من عناصرها موادّ لحياته الشخصية. ذلك لا يُسمى توثيقا وإن كان يتضمنه. وهبته الصورة إمكانية أن يمزج مشاهد من حياته كما عاشها من الداخل بما تُظهره الصور من حياة آخرين صاروا بمثابة عائلته بالرغم من أنهم عاشوا في أزمنة لم يعشها. واحدة من معجزات الصورة أنها تبقي على حياة البشر في لحظة لا تُفنى.

أستوديو شهرزاد

منتح أفلام وصور

ولد الزعتري في صيدا جنوب لبنان عام 1966. هو منتج أفلام ومصور وجامع أرشيف ومنظم معارض وكلها صفات خارجية للفنان الذي يطمح إلى اختراع أشياء وأحداث جديدة مادتها الصور الفوتوغرافية.

فنان مختلف، من نوع لم تألفه الثقافة البصرية في العالم العربي. يهتم بتاريخ الصورة باعتباره مصورا غير أنه في العمق يستلهم ذلك التاريخ في التعرف على سبل العيش كلها في لحظة ما من الزمن. مثاله في ذلك الدراسة الفنية التي قدمها عن أستوديو شهرزاد الذي أداره في صيدا المصور هاشم المدني (1928 - 2017).

انصبت كل محاولات الزعتري على اختراق الزمن وصولا إلى المحتوى الشكلي للكيفية التي يقدم الناس من خلالها أنفسهم. ذلك هو السؤال الوجودي الذي يدور حوله عالم الصورة التي يعيد إنتاجها لتكتسب تأثيرا جديدا من غير أن تفقد سحرها القديم. يشبه ما يفعله تناسخ الأرواح.

عام 2019 أقام معرضا في غاليري أكسفورد للفن الحديث ببريطانيا بعنوان "السكربيت"، عرض الفنان فيه عددا من أعماله من بينها الفيلم الذي اكتسب المعرض عنوانه منه.

كان ذلك الفيلم هو خلاصة بحث في موقع يوتيوب حاول الفنان من خلاله أن يعبّر عن الالتزام المزدوج بين الإيمان والأبوة. لقد بحث في الموقع بطريقة محايدة عن مصطلحي الأب والابن فحصل على أفلام صورت في أنحاء متفرقة من العالم العربي تمثل آباء يصلون فيما يلعب أبناؤهم الصغار من حولهم في محاولة منهم لتشتيت أفكارهم.

"الشريط بخير" يعتبر عمله الوثائقي الأول. والفيلم هو عبارة عن مزيج من الصور الثابتة ومقاطع من نشرات الأخبار وأفلام التعبئة ومقابلات مع مقاتلين وسجناء سابقين

وكما هو واضح من ذلك النموذج فإن الأرشيف يمثل حجر الزاوية في عالم أكرم الزعتري. يبحث الفنان ليعثر على المادة الجاهزة التي يعمل على شحنها بأفكاره فيبتعد عمله عن مفهوم التوثيق ليأخذ طريقه في مجال الفنون المعاصرة باعتباره فنّا مفاهيميا.

أقام الزعتري أكثر من عشرة معارض، كان أولها المعرض الذي أقامه في هامبورغ عام 2007 والذي حمل "كائنات الدراسة". بعد ذلك المعرض أقام معارض في بيروت وليفربول وغرونوبل وأوسلو والبندقية وأونتاريو وستوكهولم وبرشلونة.

من أهم أفلامه "مجنونك" عام 1997 و"كيف أحبك" عام 2001 و"في هذا المنزل" عام 2005 و"غدا سيكون كل شيء على ما يرام" عام 2010 و"في التصوير الفوتوغرافي" عام 2010 و"رسالة إلى الطيار الرافض" عام 2013.

وأصدر عددا من الكتب ربما كان أهمها "هاشم المدني ممارسات الأستوديو" و"هاشم المدني: الكورنيش" و"أسرار الأرض التي لا نهاية لها".

يبدو الزعتري متفائلا في كل ما يقوم به. هو ابن صيدا. وهو ابن البيئة المقاومة. غير أنه كان دائما مقاوما نقديا. لقد أتاح له الخزين الصوري وهو الأرشيف الذي حصل عليه في إطار فلسفة خاصة أن يطلع على حقائق مكنته من اكتشاف التناقضات في الحياة المباشرة. لذلك نجا فنه من الدعاية الثورية.

في فلمه "ثمانية وعشرون ليلا وبيت من الشعر" الذي قدمه عام 2015 قي برلين وبيروت والقاهرة هناك محاولة للتماهي مع أغنية لمحمد عبدالوهاب أنجزها عام 1935. ردد عبدالوهاب في تلك الأغنية عبارة "يا ليل" ثمانية وعشرين مرة قبل أن يشدو ببيت الشعر الأساس "في البحر لم فتكم في البر فتوني".

في ذلك العمل يبدو واضحا أن كثيرا من الشعرية يتسلل إلى طريقة التعامل مع الصور حين يتم تصفحها بقوة الحنين. ذلك شيء أساس في عالم الفنان الذي لا يكف عن الالتفات إلى الماضي بإعجاب عاطفي.

فضح الماضي وغض النظر عنه

منتج الماضي بكل ما فيه

كان "الشريط بخير" هو عمله الوثائقي الأول الذي أنجزه عام 1997. ذلك الفيلم هو عبارة عن مزيج من الصور الثابتة ومقاطع من نشرات الأخبار وأفلام التعبئة ومقابلات مع مقاتلين وسجناء سابقين. في ذلك الفيلم أرسى الزعتري قواعد لعبته التقنية التي تعتمد في أساسها على مبدأ النبش في الوقائع المصورة بحثا عن الحقيقة.

ما يفعله الزعتري يمكن تشبيهه بالحفريات الأثرية التي تهدف إلى العثور على كنز هو بمثابة دليل إثبات على أن هناك حياة قد نُسيت. في فيلمه "في هذا المنزل" الذي أنتجه عام 2005 قسم الزعتري الشاشة إلى نصفين. نصف احتله أحد مقاتلي المقاومة وهو يروي عملية دفن رسالة في أحد المنازل التي كان يتحصّن ومجموعته فيها أثناء الحرب، وفي النصف الثاني نتابع عمليات الحفر بحثا عن تلك الرسالة التي يتم العثور عليها مخبأة في علبة قذيفة.

ذلك الفيلم يفتح نافذة مهمّة على جزء من سؤال وجودي بشكل هو الآخر واحدة من ركائز عالم أكرم الزعتري هو "هل يجوز لنا أن نفتش في أوراق الماضي أم علينا أن نبقيه مطمورا تحت التراب؟".

من جهته فإن الزعتري لا يميل إلى مبدأ التراضي بالإرجاء بل يحبذ المكاشفة مهما كانت النتائج قاسية. ذلك ما يعتقده واحدا من أهم الأدوار التي يلعبها الفنان وهو يسعى لمساءلة الواقع من جهة، ومن أخرى إلى عدم خداع الجمهور بالماضي الجميل.

9