أفلام مصرية تستجدي الأوسكار بالقصص الإنسانية

المآسي الإنسانية تتيح التعبير عن قضايا ضخمة ما يجعلها دائما محل ترحيب في المهرجانات العالمية مثل "ورد مسموم".
الأربعاء 2019/10/09
قصص عن الحياة في أبسط احتياجاتها

تظل الأفلام الإنسانية الاختيار المفضل للنقاد العرب في الترشيح لجائزة الأوسكار للأعمال غير الناطقة بالإنكليزية، فقصصها التي تعتمد على الشخصنة وصورتها شديدة البساطة، تؤهلها لمداعبة عقول وأعين الجمهور الغربي المتشبّع بقصص الرعب والحركة والحروب، والباحث دائما عن التجديد في المقاطع القادمة من دول العالم الثالث.

القاهرة - جاء اختيار فيلم “ورد مسموم” لتمثيل مصر في مهرجان الأوسكار، حتى يؤكّد الهيمنة المستمرة للقصص الإنسانية على ترشيح الأعمال للجوائز العالمية، من خلال ملامحها التي تقترب كثيرا من الأفلام التسجيلية، وأسلوبها المعتاد في تقديم قضايا الفقراء والأقليات من زوايا غير مُتداولة، ممّا يثير شحنات عالية من التعاطف.

وتلعب الأفلام الإنسانية على وتر العلاقات بين البشر، التي تبدو لغة عالمية تتخطى الحواجز الثقافية وتلمس المشاعر، وتتغلب على حساسية الأديان والأعراق والأجناس، وتصل في رسائلها إلى تعديل السلوك والتصدي لمشكلات قائمة، أو على الأقل تغيير الصور الذهنية المتواترة إزاء بعض الفئات المستضعفة.

قضايا ضخمة

تجذب المآسي الإنسانية غالبية المشاهدين، فبعضهم يرى فيها تجسيدا لنمط حياته حينما تؤطّر للمعيشة في الشوارع الضيقة الفقيرة التي يستطيع الجيران داخلها تبادل السلام يدا بيد من الشرفات، أو تتصدّى لنقاط شديدة الخصوصية في علاقة الزوجين أو اختلال قيم الأسر، أو الصراع داخل قلوب وعقول معتلة لا تستسيغ الحياة، فتغلفها أحداثها بطابع من القلق والكآبة.

وينطلق فيلم “ورد مسموم” من السياقات الأكثر توظيفا في الأفلام الإنسانية المستقلة، بالتعبير عن أسرة فقيرة من ثلاثة أشخاص تعيش داخل غرفتين على سطح أحد المنازل، ولا يعرف أعضاؤها إلّا العمل المستمر للإيفاء بأبسط احتياجاتهم بعد وفاة الأب، فالابن صقر يقضي نهاره في مدبغة جلود، والأم تعمل في ورشة ملابس صغيرة، والابنة تحية عاملة نظافة.

ويعبّر العمل بمصداقية عن الحياة داخل مدابغ منطقة سور مجرى العيون بالقاهرة القديمة، قبيل نقل القاطنين بها إلى مدينة الجلود بالروبيكي (60 كيلومترا شرقي القاهرة)، وعن الشقاء الذي يعانونه يوميا في صعود سقالات خشبية تمتد لقرابة العشرين مترا، حاملين فوق رؤوسهم كميات من الجلود لتجفيفها في الهواء، ليحمل الفيلم تاريخا بصريا لمنطقة عاشت مئات الأعوام وستختفي قريبا من الوجود.

أحمد فوزي صالح: أعمالي تعتمد على اقتطاع صور من الواقع دون أي تجميل
أحمد فوزي صالح: أعمالي تعتمد على اقتطاع صور من الواقع دون أي تجميل

وتتيح القصص الإنسانية التعبير عن قضايا ضخمة من بوابة عدة شخصيات فقط، ما يجعلها دائما محل ترحيب في المهرجانات العالمية مثل “ورد مسموم” الذي تم اقتباسه من رواية بعنوان “ورود مسمومة لصقر” للكاتب المصري أحمد زغلول الشيطي، الذي حصل على ست جوائز محلية وعالمية، بينها جائزة للأمم المتحدة لشؤون السكان، وأخرى من مهرجان ديوراما الدولي بالهند.

وتظل القصة الإنسانية الخيار المفضل للسينما العربية للمشاركة في جوائز الأوسكار للأفلام غير الناطقة بالإنكليزية. ففي العام الماضي شارك العرب بسبعة أفلام تنتمي إلى ذلك النمط، في مقدمتها “الرحلة” الذي يرصد الصراعات الطائفية بالعراق و”على كف عفريت” عن قصة اغتصاب فتاة تونسية، و”كفر ناحوم” حول مصير طفلين لقيطين بلبنان وقد وصل إلى القائمة القصيرة.

ويرصد فيلم “ورد مسموم”، الذي تدور أحداثه في 70 دقيقة، الحياة اليومية لتحية بدءا من الطهي وتنظيف المنزل وغسل ملابس شقيقها وحملها الغذاء إليه يوميا في المدبغة، والتوجه بعدها إلى عملها في تنظيف المراحيض، والانتظار بمناديل ورقية أمام أبوابها أملا في الحصول على “بقشيش”، أي على مساعدة مادية تعينها في الحياة.

يقول الناقد الفني أحمد سعدالدين، لـ”العرب”، إن تفضيل القصص الإنسانية يعود إلى عدم قدرة الإنتاج العربي على مضاهاة الغرب في أفلام الحركة والرعب، ويتماشى مع طبيعة الجمهور الأجنبي الذي لا يريد بهرجة إنتاجية أو أعمال شبيهة بما يشاهده يوميا، فرغبته محصورة في قصة مغرقة في المحلية تنقل واقعا من حياة دول العالم الثالث التي لا يعرفها.

ويحمل “ورد مسموم” معالجة لمتلازمة الفقر والهجرة غير الشرعية، فصقر يقرّر الفرار إلى الخارج عبر عصابة تهريب بمساعدة والدته التي توفّر له كل ما تملك أملا في أن يحظى بحياة أفضل، وتحاول شقيقته منعه باعتباره السند الوحيد لها إلى درجة الوشاية به لأجهزة الأمن، رافعة شعار “السجن أفضل من الموت غرقا في عرض البحر”.

ورشحت مصر العام الماضي فيلم “يوم الدين” للمخرج أبوبكر شوقي لتمثيلها في أوسكار الأفلام غير الناطقة بالإنكليزية عن قصة مأساوية لمريض بالجذام يفرّ من المستعمرة (مؤسسة إيواء شبيهة بالمستشفى) بعد وفاة زوجته، ويقرّر البحث عن أسرته في صعيد مصر بصحبة طفل من أصول نوبية، في رحلة تضمّنت رصدا لحياة الفقراء، ومعاناة ذوي الاحتياجات الخاصة، ولم تخل من الإشارة إلى حقوق الأقليات.

حوارات مقتضبة

تعتمد الأعمال الإنسانية على جمل حوارية مقتضبة وتعطي الصورة غير الناطقة مساحات أكبر على اعتبار أن حركات العيون والوجوه خير من التعبير بالكلمات، كما تثير الجدل حول العناصر التي يجب انتقاؤها من البيئة، وتحميل المخرج مسؤولية تعبئتها بالكآبة والقبح والسوداوية.

ولم يخل “ورد مسموم” من انتقادات تم توجيهها إلى مخرجه أحمد فوزي صالح، بالإساءة إلى سمعة مصر وإظهارها في صورة شديدة السوداوية والتركيز على منازل تقلّصت قاماتها على مدار الزمن مع الارتفاعات المستمرة لأرصفة الطرقات وأكوام القمامة المنتشرة ومياه الصرف الصحي التي تبدو كجداول مائية تتدفّق وسط الكتلة السكنية.

وتعمّد المخرج الاعتماد على ضوء الشمس في التصوير نهارا، وعدم إضافة مصادر غير طبيعية ليلا، لتبدو الصورة مظلمة لكنها تعبّر بوضوح عن الحالة الوجدانية التي يريد توصيلها، مع تركيز أكبر على الوجوه لتصبح مضيئة وسط العتمة بملامحها البسيطة التي لم تشهد إضافة محسنات فجاءت معبرة نفسيا عن حالة شخوصها.

الأفلام الإنسانية تلعب على وتر العلاقات بين البشر، التي تبدو لغة عالمية تتخطى حساسية الأديان والأعراق والأجناس

وقال أحمد فوزي مخرج العمل، لـ”العرب”، إن فيلم “ورد مسموم” جاء بعد تجربة سابقة تناولت المدابغ أيضا، لكن من زاوية عمالة الأطفال، فأعماله تعتمد على اقتطاع صور طبيعية من الواقع دون أي تجميل، واتهامه بنشر القبح مردود على المسؤولين المحليين الذين أوصلوا تلك الأماكن إلى حالتها تلك، وليس من ينقلها بعدسة الكاميرا.

واتهم “ورد مسموم” أيضا بالترويج لزنا المحارم بسبب نظرات الإعجاب الفاضحة بين الأخ وشقيقته، لكنه قدّمها ضمن سياق يعتبر الفقر سبب البلاء، فالمرحاض مواجه لموقد الطعام تماما، ولا يتضمّن بابا خشبيا فمن يكون بالداخل يعتمد على ستر جسده بقطعة قماش يتلاعب الهواء بها، والأخ وشقيقته ينامان داخل غرفة واحدة ويقضيان فترة طويلة معا في ظل غياب الأم الطويل.

وحاول الفيلم أن يعطي المرأة العاملة دفعة معنوية تنهي تمسّكها بفكرة أنها “ظل الرجل”، ولا تستطيع العيش دونه رغم قدرة تحية على الإنفاق على نفسها وخوض حياة مستقلة لكنها تتبارى في خدمة شقيقها إلى درجة خلع الحذاء له، كما يوجّه الفيلم صرخة إلى المسؤولين عن وجود حياة خلف الأسوار العازلة العالية تحتاج إلى تطوير البشر قبل الحجر.

وأكد فوزي أنه سيواصل تقديم رؤية ذاتية تتعلّق بالتعبير عن هموم بعض الفئات المجتمعية وتوصيلها إلى أناس منشغلين بها أيضا وترك الحرية للمشاهدين لرؤية أعمالهم كلٌّ وفقا لمنطلقاته وثقافاته.

16