أعراس الحشد الشعبي

بناءً على كل المبرّرات والمقدمات والنتائج صار ثابتا وجليا أن الحشد الشعبي لم يعد جيشا رديفا مساعدا للجيش الرسمي العراقي، بل رقيبا ومُسيِّرا أقوى منه وأفضل منه تسليحا وأكثر هيبةً وهيمنة.
الخميس 2021/06/17
"العصر الذهبي" للحشد الشعبي

بشَّر نائبُ رئيس أركان هيئة الحشد الشعبي أبوعلي البصري جماهير الشعب العراقي بأن عرضاً عسكرياً لقوات الحشد الشعبي سيقام في الثاني والعشرين من الشهر الجاري ستكون فيه أسلحة جديدة تعرض لأول مرة، منها طائرات مسيّرة، وصواريخ جديدة، وتشارك فيه فصائل الحشد بوحدات من المشاة والمدفعية والدبابات والدفاع الجوي والطب والهندسة والتوجيه الأيديولوجي، وبأن أبرز المدعوّين لحضوره رئيسُ الوزراء مصطفى الكاظمي بصفته القائد العام للقوات المسلحة.

وإلحاقا بهذا الإعلان وقَّع فالح الفياض رئيس هيئة الحشد الشعبي فرماناً رئاسيا هذا نصه:

“نسَّبنا صرف (3000.000.000) ثلاثة مليارات دينار عراقي لتغطية نفقات إقامة الاستعراض العسكري لهيئة الحشد الشعبي بمناسبة الذكرى السابعة لتأسيسه”. يعني أن الحشد الشعبي الذي سيقيم عرسه العسكري الجديد يبرهن لنا على أنه دخل في أيام عصره الذهبي، هذه الأيام.

هذا يأتي في الوقت الذي أصدر فيه الكاظمي، بمناسبة مرور سبع سنوات على فتوى “الجهاد الكفائي” التي أصدرها السيستاني عام 2014 وتأسس بها الحشد الشعبي، بيانا مزج فيه الهزل بالجد، كعادته، والطين بالعجين. فهو يثني فيه على دور الفتوى في تحرير الأرض من داعش، ثم يحذّر، في الوقت نفسه، تلميحا وليس تصريحا، من حرفها عن غايتها الأصلية، واستغلالها لأغراض مصلحية.

وربما يكون جادا في ضيقه من مخالفات فصائل الحشد، وتعاليها على قيادته، وإهاناتها المتكررة للدولة بكامل رئاساتها الثلاث وحكومتها وبرلمانها وجيشها وشعبها، ولكنه يختبئ خلف المرجعية، ويحاول أن يحارب رفاقه في الولاء الإيراني بسيوفٍ غير سيوفه العديدة المركونة على الرفوف العالية.

تاريخيا تم تشكيل الحشد الشعبي في منتصف يونيو 2014، في أعقاب سقوط محافظة نينوى واحتلالها من قبل داعش، كقوة رديفة للجيش الوطني لتحرير الأرض، فقط لا غير.

وحين أصدرت المرجعية فتواها التي دعت فيها القادرين على حمل السلاح إلى التطوع لمقاتلة داعش، سارع القتيل قاسم سليماني إلى اغتنامها لدمج ميليشيات بدر وعصائب أهل الحق وكتائب حزب الله العراقي، مؤسِّساً بها حرسه الثوري الإيراني الجديد، ولكن بثوب عراقي ديني طائفي متستر برداء المرجعية.

ولا يُنكر أن كثيرين من المتطوعين من ذوي النوايا الوطنية النقية ساهموا في معارك التحرير، ولكنَّ جزءًا كبيرا من النصر على الدواعش صنعه الجيش العراقي وأجهزة الأمن والشرطة والعشائر، وأميركا بطيرانها وصواريخها وأقمارها التجسسية وأموالها.

وبعد سنوات من التجاوزات والمخالفات والاغتيالات والاختلاسات التي سُجل أغلبها ضد فصائل من الحشد، وصَفَها مقتدى الصدر بأنها وقحة، غضبت عليه المرجعية، بعد أن طفح كيل باطله، ولكنها لم تفعل أكثر من أنها سحبت منه فصائلها المسلحة الأربعة، وأعادتها إلى إمرة القائد العام للقوات المسلحة. وكان المنتظر والمفروض والأكثر ضرورة وعدالة أن تأمر بتسريح فصائلها تلك، وأن تُخول الحكومة بالتصرف بغلق ملفاتها، وذلك من أجل أن تكفّر عن ذنبها، وأن تعزل بقايا فصائل الحشد، وتُجرّدَها من الشرعية الدينية المذهبية التي يتمسك بها قادته الكبار، ويزعمون بأن المرجعية ما زالت تشمله ببركاتها.

وبناءً على كل هذه المبررات والمقدمات والنتائج صار ثابتا وجليا أن الحشد الشعبي لم يعد جيشا رديفا مساعدا للجيش الرسمي العراقي، بل رقيبا ومُسيِّرا أقوى منه، وأفضل منه تسليحا، وأكثر هيبةً وهيمنة، وأقل التزاما بالأنظمة المهنية العسكرية التراتبية المتوارثة.

Thumbnail

ألم تسمعوا عباس موسوي المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية وهو يقول “إن حشدنا الشعبي بزعامة الفياض سيدمر القوات الأميركية دفاعا عن إيران”.

ومع الزمن الرديء الطويل تشظت الدولة العراقية، حكومة وشعبا، وبلغت حالة من الهوان والهزال إلى الحد الذي يخرج معه، على شاشات التلفزيون، واحدٌ نكرة قادم من قارعة الطريق، أمّيّ جاهل لم يكمل دراسته الابتدائية لينوب عن رئاسة الجمهورية والوزارة والبرلمان والجيش والشعب معا، ويعلن الحرب على قوات أجنبية موجودة باتفاقات حكومية موثقة، كان رؤساء حكوماتٍ سابقون من رفاق هذا المتطفل قد التمسوا بقاءَها وعوْنَها.

فقد أعلن قائد ميليشيا عصائب أهل الحق المدعو قيس الخزعلي أن “الحركة ستواصل العمل العسكري ضد الجيش الأميركي المنتشر في العراق، مشيراً إلى أن قرار مهاجمة القواعد الأميركية قد تم اتخاذه بالفعل من قبل قيادة الحركة”.

ثم أعلن أن “العمليات العسكرية ضد القواعد الأميركية لن تتوقف أبداً إلا بخروج الجيش الأميركي من البلاد”. فـ“الجميع أعد نفسه لكافة التحديات والاحتمالات، ولا يتصوّرون أننا نخاف من التهديد” و“إذا كان هناك رد فإن الرد على الرد جاهز”. وأن “قرار التصعيد ضد القوات الأميركية في العراق تم اتخاذه”.

وحين نعود إلى التاريخ الأسود الذي لم تمض عليه قرون سوف نجد أن الإيرانيين ووكلاءَهم العراقيين، أحزابا ومنظمات وميليشيات، كانوا، عملا وقولا، وسلاحا ومالا، جزءًا من قوات الغزو الأميركي – البريطاني للعراق، ودليلاً ومرشدا للجيوش الغازية ليس، فقط، على كل وطني حقيقي حَمل السلاح وقاوم الغزو، بل على كل خصم لإيران الخميني، عقائديا أو سياسيا أو ثقافيا أو اقتصاديا، حتى لو كان مدنياً مسالما لم يحمل سلاحا في حياته قط.

أي أنهم استغفلوا الجيوش الأميركية الجاهلة بحقيقة التعقيدات السياسية والمذهبية والعنصرية العراقية، واستخدموها أداةً للفتك بخصومهم، تمهيدا ليظلوا وحدهم اللاعبين الجاهزين لوراثة جيوش الاحتلال الأميركي بعد رحيلها المحتوم.

والكاظمي نفسه، في مارس 2015، نشر مقالا أكد فيه أن “مفهوم الجهاد الكفائي الذي أطلقه السيستاني ليس مفتوحاً، بل إنّ جوهر الفتوى وتصنيفها يضعان سقفاً طبيعيّاً لنهايتها. فالفتوى مرتبطة بدفع خطر داعش، وإنّ انتهاء هذا الخطر يعني انقضاءَ الفتوى أيضاً”.

وفي ذات المقال، طالب الكاظمي الدولة العراقية بـ“معالجة مرحلة ما بعد نهاية صلاحيّة فتوى السيستاني”.

ولكنه حين أصبح هو الحكومة التي كان يطالبها بوضع النهاية لصلاحية فتوى السيستاني وحل الحشد الشعبي لم يفعل شيئا يذكر البتة.

وإذا ما حضر الاستعراض العسكري الذي ستقيمه الفصائل الإيرانية (العراقية) فسوف يقطع آخر خيوط الأمل في أن يفعل شيئا ذا قيمة، وسيُضيفه الشعب العراقي إلى جانب المالكي والجعفري والعبادي وعبدالمهدي على لائحة المطلوبين للعدالة، وها نحن في الانتظار.

9