"أطياف المسرح" يؤرخ لجيلين في الفن الرابع

كتاب "أطياف المسرح" يقدم قراءات نقدية في عروض مسرحية عربية عرضت خلال العقدين الأخيرين.
الاثنين 2020/10/05
برج لوصيف: أداء سيمفوني لأوركسترا الممثلين

عمّان- صدر عن دار خطوط وظلال في عمّان كتاب جديد للناقد والروائي العراقي عواد علي بعنوان “أطياف المسرح: عروض وتجارب ومنعطفات”. يقع الكتاب في ثلاثة فصول تناول فيها الناقد أهم الظواهر المسرحية العربية المعاصرة.

يبدأ علي كتابه بقراءات نقدية في عدد من العروض المسرحية العربية من العراق وتونس والأردن والكويت وفلسطين التي قُدّمت خلال العقدين الأخيرين، عبر مباحث مختلفة نذكر من بينها “نساء السكسو.. فون: صورة الوطن في انزلاقه إلى الهاوية”، “برج لوصيف: أداء سيمفوني لأوركسترا الممثلين”، “القلعة: تشريح الاستبداد”، “المغتربان: كوميديا سوداء وأسئلة لاذعة عن الاغتراب”، سأموت في المنفى: الفلسطيني الذي حول الشتات حياته إلى بدل فاقد”، “رائحة حرب: نيران حرب وهمية”، “من الهنا.. من الهناك: الجدران العازلة ومآسي النازحين”، “العرس الوحشي: ثلاث مقاربات إخراجية لنص واحد”.

كتاب يتناول أهم الظواهر المسرحية العربية المعاصرة
كتاب يتناول أهم الظواهر المسرحية العربية المعاصرة

يقول الناقد علي عن عرض “نساء السكسو.. فون” للمخرج جواد الأسدي “أزاح الأسدي، في عرضه المبهر هذا، الغطاء عن الكثير من الأسئلة المطمورة، مثلما تزيح النسوة المرتبكات والممزقات ستارة النايلون الشفافة، من خلال نفاذه إلى أعماقهن، والإمساك بهواجسهن ورغباتهن وتناقضاتهن، وتفجيرها في بنى مشهدية (حركية وتشكيلية وإيمائية) مؤسلبة وساخنة، وحوارية عنيفة وصادمة، وألفاظ جارحة قد تخدش الحياء الاجتماعي في المسرح، وتنتهك السياق المألوف للتلقي الذي اعتاد عليه الجمهور، رغم أنها شائعة في الحياة اليومية”.

 وتناول الفصل الثاني من الكتاب تجارب ثلاثة مخرجين وكتّاب مسرحيين هم سليمان البسّام، مهند هادي، عواطف نعيم وجعفر القاسمي، إضافة إلى تجارب مسرَحَة السيرة الذاتية والسيرة الغيرية في المسرح العربي. وخلص عواد علي، في تناوله لتجربة عواطف نعيم، إلى أن المخرجة والكاتبة العراقية استندت، في العديد من مسرحياتها، إلى نصوص تشيخوف ولوركا وبريخت وكامو وأرستوفانيس، لكنها تملك موهبة خلاقة في تحويل فضاءات تلك النصوص وأحداثها وشخصياتها إلى فضاءات وأحداث وشخصيات محلية، جوهرا ومظهرا.

وقد عمّق مخرج أغلب هذه المسرحيات عزيز خيون، عملية التحويل هذه بشحن العروض بمفردات مختلفة من الموروث الشعبي العراقي في سياق جديد غير مألوف يتصدر فيه التوظيف الذكي للفضاء، والاستغراق في تجسيد المشاعر المأساوية، والشجن المحلي، والغناء الفولكلوري.

واحتوى الفصل الثالث على إحدى عشرة مقالة، منها: “القراءة الإخراجية للنص المسرحي هل لها حدود؟”، “الجسد في المسرح: الجمال والطاقة”، “المسرح التفاعلي والمسرح الرقمي”، “إعادة إنتاج الأساطير في المسرح العربي”، “توظيف السينما في المسرح: الضرورة والإسراف”، “مسرح الشارع والحوار المباشر بين الجمهور والعرض” و”التجريب المسرحي العربي سجال وإبداع”.

 وقد ضرب في المقال الأخير مثالين على الاشتغال التجريبي الحديث في المسرح العربي هما العرض الجزائري “جي.بي.أس” من إخراج وتصميم محمد شرشال، الذي ركّز على ثيمة ضياع الإنسان المعاصر بين الأفكار والمبادئ، وموقفه من الوقت، وإدمانه الانتظار دون الوصول إلى أي هدف، والعرض الأردني “فراغ في فصل خامس” للمخرج الحاكم مسعود، وهو عرض ينتمي إلى مسرح الصورة، تحدده أربعة فصول تشكّل المشاهد الأساسية التي تتماشى وحقيقة الفصول بربيعها وصيفها وخريفها وشتائها، وينسج بناؤها الدرامي جدلية أزمة الكارثة، وكارثة الأزمة، كما لو أن الجميع اتفقوا على أنها مجرد أزمة يعيشونها ويواجهونها صراحة.

 ويرتكز العرض على تجليات موسيقى الصورة بتفاصيلها في التعبير عن كارثة الفصول، وأشكال الضياع والنزاعات المحيطة بالإنسان العربي في فراغ فصل خامس لمستقبل مجهول، لم يتبق له فيه سوى الأمل.

"فراغ في فصل خامس" عرض يرتكز على تجليات موسيقى الصورة بتفاصيلها في التعبير عن كارثة الفصول
"فراغ في فصل خامس" عرض يرتكز على تجليات موسيقى الصورة بتفاصيلها في التعبير عن كارثة الفصول

وجاء في كلمة غلاف الكتاب أن المسرح العربي شهد، خلال العقود الأربعة الأخيرة، تجارب إخراجية متباينة لنصوص محلية، اتسم بعضها بجرأة في تناول مشكلات وقضايا ملحّة ومعقدة تضغط على مجتمعاتنا العربية، بأشكال ورؤى وتقنيات أدائية ذات منحى تجريبي، أو غير مألوف، وحاول الاقتراب من صياغات تشكيلية، وإطلاق العنان للتخييل الحر، والانزياح عن الإطار المرجعي، إذا جاز لنا استعارة هذا المصطلح من نقد الشعر، وإضفاء منحى تركيبي على شبكة العلاقات بين الشخصيات والمَشاهد وعناصر التعبير الجسدي، بجعلها تتداخل وتتمازج، بحيث يجد المتلقي نفسه أمام نوع من الدهشة والالتباس اللذين يحفزانه على المشاركة في إنتاج البنية الدلالية للعرض المسرحي، أو تأويله.

 وكيّف بعضها الآخر نصوصا عالمية شهيرة لتلائم تلك المشكلات والقضايا، بحسّاسية جديدة تستثمر أنماطا مختلفة من الفنون الأدائية والبصرية. وقد سعت المقالات والدراسات التي يتضمنها الكتاب إلى مقاربة خصائص بعض هذه التجارب، إضافة إلى إضاءة مجالات مختلفة من المسرح ونقده وأسئلته.

يُذكر أن عواد علي، المولود في مدينة كركوك بالعراق، والمقيم في الأردن، يحمل الجنسية الكندية، وصدر له 12 كتابا في النقد المسرحي، منها: “المألوف واللامألوف في المسرح العراقي”، “شيفرات الجسد: جدلية الحضور والغياب في المسرح”، “المعرفة والعقاب: قراءات في الخطاب المسرحي العربي”، “الحضور المرئي: المسرح من التحريم إلى ما بعد الحداثة”، “المسرح واستراتيجية التلقي”، “المسرح والتخييل الحر” و”المسرح الأردني في ربع قرن”. وفي الرواية له “حليب المارينز”، “نخلة الواشنطونيا”، “أبناء الماء”، “حماقة ماركيز”، “جسر التفاحة” و”وردة الأنموروك”.

14