أردوغان الممتع

هناك شيء واحد يراه أردوغان بوضوح حتى وهو يتخبط بين الأوهام والأحلام. وهو أن هزيمته وهزيمة مشروعه الإخواني هي الفصل التالي في تاريخ تركيا المعاصر.
الأحد 2020/01/12
يهرب من أزماته الداخلية باختراع نزاعات في الخارج

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مزعج في الكثير من الأحيان، لحلفائه ومعارضيه ولنفسه، إلا أنه ممتع أحيانا أخرى.

أحد أمثلة الإمتاع القليلة أنه عندما أراد انتقاد المعارضة التركية لرفضها إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا، قال “هؤلاء لا يدركون أنّ مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك ذهب على رأس جنوده إلى طرابلس الغرب، وأصيب هناك في عينه”.

ولا شك أنه لو ذهب على رأس جنوده إلى طرابلس فإنه سيعود مصابا في العينين معا. وهو، على أي حال، لا يستخدمهما من الأساس. فالواقع الذي لا يراه أردوغان، فاضح له ولسياساته التوسعية بما يكفي لأن يراها أعمى البصر والبصيرة.

ولكن منذ أن اندلعت الأزمة الاقتصادية في تركيا قبل عامين، والرئيس التركي يتخبط في كل مكان، حتى أنه لا يكاد يمسك خيطا إلا ويفلت منه. على سبيل المثال، صادق على قرار بتوسيع حدود تركيا البحرية، من دون أن يلاحظ أن هناك جيرانًا مثل اليونان ومصر وقبرص، سيتضررون، ويحبطون خرائطه الوهمية، لكي يتم إجباره في النهاية على الإقرار بأن الواقع واقع، حتى وإن كان لا يراه.

وهو ذهب أبعد بالتوقيع على اتفاقيات مع سلطتين وهميتين هما “جمهورية قبرص التركية” التي لا يعترف بها أحد، و”حكومة الوفاق” في طرابلس التي لا يعترف بها الواقع. على الأقل لأنها لا تحكم من ليبيا إلا جيبا ضيقا لن يمكنه أن يحمي عيني أردوغان لو شاء أن يذهب بهما وهو على رأس جيشه.

وذهبت الرغبة في الإزعاج والإمتاع إلى أنه استغل زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالإعلان عن وقف إطلاق النار في ليبيا، فلما وصل الخبر إلى ليبيا زاد إطلاق النار نارا.

ما لم يلاحظه أردوغان هو أن دعوته إلى وقف إطلاق النار، مفضوحة، ليس لأنها تقصد حماية المرتزقة الذين أرسلهم إلى ليبيا، بل لأن “الجنرال التركي” الذي يقودهم هناك إما أن يعود بعين واحدة أو في نعش.

ثم إن الليبيين قالوا، لأنفسهم على الأقل، ومنذ متى نتلقى الأوامر أو المقترحات من أردوغان، وهو الذي جعل من نفسه خصما من الأساس؟

مقترح وقف إطلاق النار لا يصدر من طرف يشارك في القتال، مثل ما وضعت تركيا نفسها فيه، إلا في دلالة على الضعف.

وسلطة الإخوان التي يحاول أردوغان أن يحميها من التشرذم والسقوط، لن يمكنها أن تصمد حتى لو أنفق عليها كل ما لدى قطر من مال. إنما لأسباب يستطيع أن يراها كل من لم يفقد بصره.

أولها أن الغالبية العظمى من الليبيين لا يريدونها، ويعرفون أنها مجرد سلطة عصابات وميليشيات غير جديرة بالحكم. وإذا حكمت، كما أتيح لها لعدة سنوات، فإنها لن تحكم إلا بالفساد وأعمال النهب التي أتاحت لها أن تستنزف كل ما كان لدى ليبيا من عائدات وثروات. وهي لم تبن مدرسة ولا مستشفى، ولا افتتحت شارعا، بل التهمت كل ما صادفته في طريقها، وكأنها جراد.

وثانيها أن العالم لم يعترف بحكومة السراج كما انتهت إليه. العالم إنما اعترف بحكومة توافق على أساس وثيقة الصخيرات إلا أن سلطة الميليشيات سرعان ما نقضتها وانقلبت عليها، ولم يبق من الاعتراف الدولي بهذه الحكومة المزيفة إلا الشكل الذي ظل معلقا في الفراغ، بعد أن لم يبق من التوافق إلا “وفاق” الإخوان مع الجماعات الإرهابية المماثلة لهم.

وثالثها أن محيط ليبيا الإقليمي لا يستطيع أن يستوعب مجرد فكرة وجود حكومة ميليشيات في الجوار. العالم كله، بالأحرى، إنما يريد حكومة تتصرف كحكومة تمثل كل الليبيين، ويمتثلون لها، لا حكومة تهيمن عليها مجموعات مسلحة، أو ترتبط بمشاريع تطرف وهي تحمل السلاح.

ورابعها أن كل مساعي الحوار لم تفلح في السابق من دون أردوغان، فكيف يمكنها أن تفلح بوجوده، وهو يحلم أن يذهب على رأس جيشه إلى طرابلس لكي يفقد عينه؟

ولكن يجب الاعتراف بأن هناك شيئا واحدا يراه أردوغان بوضوح حتى وهو يتخبط بين الأوهام والأحلام. وهو أن هزيمته وهزيمة مشروعه الإخواني هي الفصل التالي في تاريخ تركيا المعاصر.

إنه يرى حزبه يتشرذم. ويرى أن الكيل قد فاض بالأتراك حتى ليتمنون أن تجري الانتخابات الرئاسية في أقرب وقت للخلاص من عهده. ويرى أن الأزمة الاقتصادية ما تزال قائمة، وأن معالجاته زادت الطين بلة، لأنها أبقت جمر التضخم والديون يتأجج تحت الرماد. ويرى أنه إذ يهرب من أزماته الداخلية باختراع أدوار ونزاعات في الخارج، فإنه لا بد أن يعود ليرى أن الواقع واقع، في نهاية المطاف.

الأعمال التي يقوم بها أردوغان تبدو هستيرية، بدرجة لم يألفها أحد في تركيا الحديثة، ومن بينها حملات الاعتقال والطرد من الوظيفة التي طالت مئات الآلاف من العسكريين والصحافيين والقضاة والموظفين الحكوميين. وهي تنعكس في علاقات متوترة حتى مع أقرب حلفاء تركيا. إلا أنه يظل ممتعا في بعض الأحيان، بمحاولاته إدارة الفشل بفشل أشد منه.

4