أدباء ورياضيون وعلماء ما كان لهم أن يوجدوا لولا الفشل

الفشل قد يصيب كل فرد يطمح إلى غاية ولا بدّ له عندئذ من الاتّعاظ بأخطائه ومعاودة الكرّة.
الخميس 2021/03/18
التعامل مع الفشل لا يكون بالعزلة (لوحة للفنان فؤاد حمدي)

كم من مطامح عُطّلت ومواهب أُحبطت، بسبب تهيّب أصحابها من خوض التجربة خوفا من الإخفاق. فالخوف من الفشل يكبّل صاحبه حينما يهمّ باتّخاذ قرار عقلانيّ، ولكن قد لا يغدو كذلك إذا وعى الإنسان أن الحياة تحمل في طياتها نصيبا من التيه والآمال الخائبة والفرص الضّائعة.

الفشل لغة هو عدم تَحْقيق المرء ما كان يأمل، فهو لم يظفر بحاجته أو لم يصل إلى هدفه المنشود. والتعامل مع الفشل يختلف باختلاف الطبائع، إذ ثمة من يستخلص من إخفاقه عبرة وينهض لمحاولة الكَرّة، بأسلوب جديد، ووسائل مغايرة، وثمّة أيضا من ينسحق تماما عند أول عثرة، فيتلبّسه خوف يمنعه من مجرّد التفكير في معاودة التجربة. وثمة من به خوف متأصل من الفشل، يهابه كما يهاب أشباح الخرافات، دون أن يكون قد رآها في حياته ولو مرّة واحدة. فيظلّ مكبّلا بخوفه، يلزم جهله أو قعوده، ولا يحرّك ساكنا، مخافة أن يصاب بالخيبة.

بإمكان الإنسان أن يستفيد من تجربة الفشل لتجنب أخطائه السابقة والمضيّ قدما في تحقيق ما يصبو إليه، بدل أن ينكفئ على نفسه، يجترّ خيباته، فيصيب نفسه بإحباط مكين لن ينهض منه.

التجربة والإخفاق

الفشل مؤلم مهما تجلّد المرء وتشبّع

يختلف التعامل مع الفشل أيضا باختلاف الشعوب، فلئن كان الفرنسيون يؤمنون بالمسار السريع fast track حتى في المؤسسات، فإن الأميركان يفضلون الفشل السريع  fast fail لاعتقادهم أن الفشل تجربة، وعلامة نضج، وتأكيد على أن نفس الخطأ لن يتكرر، ما يحوّل الخطأ إلى عربون ثقة.

فلئن يوصم الفاشل في فرنسا بالذنب، لأنه أخفق في السير على السكة الصحيحة، ما يجعله يتردد لاحقا ويرغب عن خوض التجربة، فإن المخفق في أميركا يقال عنه جريء ومغامر يتلمس طريقه بالاعتماد على نفسه، كي يحقق ما يصبو إليه ويضع قدمه على الطريق السوية. وهذا ما يؤمن به اليابانيون أيضا، حيث يقول المثل السيّار عندهم “نتعلّم من النصر القليل، ولكن نتعلّم من الفشل الكثير”.

ذلك أن المرء يتعلم من الأزمات، سواء في الحياة أو مختلف المجالات العلمية والسياسية، لأن الأزمة في الواقع هي بمثابة ثغرة تكشف شكلا من الهزيمة، ولكنها تكشف أيضا عن وعد ببدء جديد، شريطة أن يعرف الفرد كيف يستخلص العبرة ممّا لم يجر كما رغب، كي يحوّره ويطوّره، أو ينصرف عنه إلى أمر آخر قد يكون أكثر جدوى.

حتى العلماء يتجاوزون حدسهم الفطري، ويجرون تجارب حسية ومخبرية يمكن أن تضعهم على طريق الحقيقة، لعلمهم أن من لا يحاول، لكونه يكره الإخفاق، يظل حبيس جهله.

 يقول إينشتاين “إن شخصا لم يرتكب أخطاء، هو شخص لم يحاول أبدا أن يجدّد”. وكم من مفكر أثنى على دور التجربة في بلوغ ما يروم نيله، كذا ديفيد هيوم وجان لوك ورالف وادو إمرسون، وكم من عالم جرّب وخاب، ثمّ أصرّ على تكرار التجربة حتى انصاع له ما كان متمنّعا، وانبسطت أمامه السبل، وكتب له النجاح، وخُلّد اسمه في سجلاّت التاريخ.

الأمثلة كثيرة، ليس في باب الفكر والعلم وحده، بل حتى في المجال الرياضي، مثل الأميركي من أصل إيراني أندري أغاسّي، الذي صار لاعب التنس الأول عالميّا بعد خيبات متوالية، أو زميله السويسري ستانيسلاس فافرينكا الذي يقال إنه يحمل دوما حول معصمه مقولة بيكيت “سبق أن جرّبت. سبق أن أخفقت. لا يهمّ. جرّب من جديد. أخفِق من جديد. أخفِق بشكل أفضل”.

أما في مجال الاختراعات فلعلّ أشهر الأمثلة على الإصرار برغم الإخفاقات المتكررة سيرتا توماس إديسون وهنري فورد، فقد صادفتهما في حياتهما عراقيل لا تحصى عددا، واستطاعا رغم ذلك أن يحققا ما اعتزما من مشاريع، بدت خيالية في ذلك الوقت.

إعادة خلق

من الكتب الطريفة التي تناولت هذه المسألة في شتى أبعادها “فضائل الفشل” للمفكر الفرنسي شارل بيبان. بعد أن قدم قراءة إبستيمولوجية عن الفشل، يعتبر فيها الخطأ الوسيلة الوحيدة للفهم، ثم عن الأزمة كنافذة تُفتَح، انتقل إلى قراءة جدلية لمصائر بعض أعلام الفن والأدب والسياسة، مثل المغنية بربارا وشارل ديغول وأبراهام لنكولن، فشلت مساعيهم الأولى، فلم يصابوا بالخيبة والإحباط، بل استخلصوا منه الدرس تلو الدرس ليخوضوا غمار التجربة من جديد، ويحققوا ما اعتزموا تحقيقه، فكان الإخفاق بالنسبة إليهم عاملا حاسما في نحت شخصياتهم وتوسيع رؤيتهم وتعميق قراءتهم للواقع بعيدا عن الأوهام، فنالوا مبتغاهم.

الفشل

وفي رأيه أن المرء قد ينظر إلى الفشل كدرس في التواضع، ووسيلة لقيس حدود طاقته، شأن ستيف جوبز حين طردته شركة آبل، فقال إن ذلك خير يناله، فقد استغل فشله كي يحدّ من غلوائه وتعاليه ويوجّه طاقته الإبداعية حيث ينبغي أن توجّه، فأصبح أكثر قدرة على الابتكار مما كان عليه.

كذلك من الناحية الواقعية، ثمة من ينظر إلى الفشل كتجربة تصطدم بالواقع فور مغادرتها الخيال، وليس للمرء إلا قبول الواقع، كما يعتقد القدريون.

يقول الإغريقي إبكتيتوس “ما يرجع إليك بالنظر هو أن تقبل أو لا تقبل ما لا يرجع إليك بالنظر”.

ومن وجهة نظر وجودية، يعتبر الفشل فرصة لإعادة المرء خلق نفسه، كما فعلت الكاتبة الإنجليزية جوان رولينغ أو المغني والملحن الفرنسي سيرج غينزبور.

أما من زاوية التحليل النفسي، فيمكن النظر إليه كفعل خاطئ، وحادث عابر. والأمثلة على ذلك كثيرة كما في سير تشارلز داروين، وسيشيرو هوندا، وميشيل تورنيي، وبيير ري، الذين قال عنهم أخصّاء التحليل النفسي إنهم رغبوا في إخفاقهم المبدئي كي يحققوا ذواتهم، بالعدول عن المسار الأول واختيار مسار خاص بهم.

فما هي الشروط الواجب اتباعها كي يصبح الإخفاق فضيلة؟

الخطأ بشري

يقدم شارل بيبان أربع نصائح: الأولى ألا ينكر المرء فشله، بل ينبغي الإقرار به، وإلا فلا مجال للانزياح والمراس واكتشافه رغبته العميقة. والثانية ألا يتقمص فشله، فالفشل لا يخص الفرد بل مشروعه، فهو الذي فشل وليس صاحبه. والثالثة التريث في التساؤل عن الفشل والتمعن في أسبابه، دونما عجلة، بل بالتأني والتفكير والنأي عن اللحظة حتى يكون الحكم أقرب إلى العقلانية. والرابعة، وهي الأصعب، أن يبحث المرء عن تفهم أقربائه وأصدقائه المحيطين به، حتى يرفعوا من معنوياته، ويؤكدوا له ثقتهم فيه. ولعل خير ما يمكن أن يتمثله قول هولدرلين “في الخطر، ينمو أيضا ما يُنقِذ”.

الأزمة في الواقع هي بمثابة ثغرة تكشف شكلا من الهزيمة، ولكنها تكشف أيضا عن وعد ببدء جديد

ولكن كلّ ذلك لا ينسينا ما يخلّفه الفشل في النفس من آثار، فهو مؤلم مهما تجلّد المرء وتشبّع بحكم الأوائل، ولذلك صار بعضهم يذكر بأن من يجرب فهو في الحقيقة يجترئ على الفشل، كما ينصح تشرشل “النجاح هو أن تمضي من فشل إلى فشل دون أن تفقد حماسك”.

وصفوة القول إن “الخطأ بشريّ، وتكراره شيطانيّ” كما يقول المثل الفرنسي، أي أن الفشل قد يصيب كل فرد يطمح إلى غاية، ولا بدّ له عندئذ من الاتّعاظ بأخطائه ومعاودة الكرّة على ضوئها، ليحقق آماله.

وقديما قال المتنبي “وأبْلَغُ ما يُطلَبُ النّجاحُ بهِ الـ/ ــطّبعُ، وعند التعمُّقِ الزَّللُ”.

15