أخطبوط الإعلام القطري يتمسك بادعاء الانقلاب في تونس مستعينا بالتضليل

قناة الجزيرة تستخدم مصطلحات مواربة لما تنشره المنصات القطرية بالإنجليزية.
الاثنين 2021/08/02
كاميرا الجزيرة جاهزة

يحاول الإعلام القطري بمختلف منصاته العربية والإنجليزية تكريس صفة الانقلاب على الإجراءات التي اتخذها الرئيس التونسي قيس سعيد، دون أن يجد حرجا في تزييف الحقائق والتضليل، لكن تأييد غالبية التونسيين لهذه الإجراءات وقف حائلا أمام دعواته لتحريض الشارع.

نأى النظام القطري بنفسه عن الاشتباك المباشر مع الرئيس التونسي قيس سعيد والأغلبية الساحقة من الشعب التونسي التي تساند قراراته التصحيحية، ولكنه دفع بأذرعه الإعلامية لنعت ما يجري في تونس بالانقلاب، والتحريض على مؤسسة الرئاسة التونسية، مع دفاع مستميت عن حركة النهضة الإخوانية.

وفيما دعا أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني خلال مكالمة هاتفية مع الرئيس التونسي إلى “ضرورة تجاوز الأزمة السياسية الراهنة وأهمية أن تنتهج الأطراف التونسية طريق الحوار لتجاوزها وتثبيت دعائم دولة المؤسسات وتكريس حكم القانون في الجمهورية التونسية الشقيقة”، بحسب وكالة الأنباء القطرية، تحولت قناة الجزيرة إلى واجهة إعلامية لحركة النهضة وحليفها ائتلاف الكرامة، واتجهت إلى نقل الأحداث وتحليلها من وجهة نظر التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وانطلاقا من فتوى ما يسمى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بحرمة ما اعتبره انقلابا من قبل الرئيس سعيد على إرادة التونسيين.

أكرم خزام: مكتب الجزيرة في تونس تلقى اتصالا من قيادة حركة النهضة
أكرم خزام: مكتب الجزيرة في تونس تلقى اتصالا من قيادة حركة النهضة

ومنذ الساعات الأولى للأحداث في تونس بعد قرارات الرئيس سعيد بتجميد نشاط البرلمان لمدة شهر ورفع الحصانة عن أعضائه وحل الحكومة، اتخذت الجزيرة التي تعتبر الغطاء الإعلامي الدولي الأبرز لإخوان تونس موقفا متشددا ضد تلك القرارات، واعتبرتها انقلابا على الدستور، وخصصت مساحاتها المفتوحة لنقل مواقف حركة النهضة وتحركاتها، إلى أن أعلنت أنه تم اقتحام مكتبها بالعاصمة التونسية وطرد صحافييها دون سبب يذكر.

لكن الصحافي السابق في القناة أكرم خزام الذي يعمل حاليا بقناة “الغد” كشف عن الأسباب الحقيقية وراء استهداف مراسلي الجزيرة، وقال أن مكتب تونس تلقى اتصالا من قيادة حركة النهضة تدعوه فيه إلى إرسال فريق إلى منزل رئيس الحكومة المقال هشام المشيشي وفسح المجال أمامه ليتلو بيانا للرأي العام الداخلي والخارجي يعلن فيه تمرده على قرارات الرئيس ويعطي بصفته وزيرا للداخلية بالوكالة أوامر لقوات الأمن بعصيان أوامر قيس سعيد.

ويرى المراقبون أن الهدف من ذلك هو شق الشارع التونسي عبر الإيحاء بوجود سلطتين متصارعتين في البلاد، إحداهما يمثلها رئيس “انقلابي” والثانية تعبّر عن الشرعية الدستورية ويمثلها المشيشي مدعوما بحزامه البرلماني وعلى رأسه حركة النهضة، مشيرين إلى أن الهدف من ذلك هو تشكيل بؤر تمرد في الشارع التونسي ضد قرارات الرئيس بما يهدد السلم الاجتماعي في البلاد.

وعندما فشلت الجزيرة في هذا الاتجاه نشر موقع “ميدل إيست آي” البريطاني، والمعروف بعلاقاته الواسعة مع قطر والإخوان، مقالا زعم فيه أن المشيشي تعرض لاعتداء جسدي في القصر الرئاسي الأحد الماضي.

ونقل الموقع في تقرير أورده بصفة “حصري” ووقعه رئيس التحرير ديفيد هيرست، عن مصادر قال إنها مقربة من المشيشي، أنه وقع اعتداء جسدي على الأخير، لكنه لم يتم التحقق من طبيعة الإصابات التي تعرض لها، لأنه لم يخرج علنا منذ إقالته.

وادعى الموقع أن ضباطا تونسيين ومصريين هم الذين عنفوا المشيشي داخل القصر الرئاسي، لتكتمل بذلك ملامح الصورة التي يراد لها أن تسيطر على مجريات الأحداث في تونس وهي أن قيس سعيد يقود انقلابا بدعم من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي.

وتابع أن أحد المصادر أكد له أن السيسي “عرض على قيس سعيد كل الدعم الذي يحتاجه للقيام بالانقلاب وسعيد قبل ذلك منه”، وحتى تبلغ المشهدية منتهى الإثارة وفق الفبركة الإخوانية كان لا بد من إردافها بما يزيد من حرارتها بالتأكيد على أنه “تم إرسال عناصر من الجيش والأمن المصري إلى تونس بدعم كامل من ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد”.

وزعم الموقع، الذي يحاول منه الإخوان نقل وجهات نظرهم إلى السلطات الأميركية والبريطانية بدرجة أولى، أنه قد تنامى إلى علمه أن الأفراد المتواجدين كانوا مسؤولين أمنيين مصريين ممن كانوا يشيرون على قيس سعيد قبل الانقلاب ويديرون العمليات بينما كانت تجري على قدم وساق، ولم تتسن معرفة الدور الذي لعبه هؤلاء في التحقيق مع المشيشي.

وسارعت قناة الجزيرة التي تبث من الدوحة كعادتها إلى نقل تلك الفبركات، ولكنها أبدلت كلمة المصريين بغير تونسيين، انسجاما مع توصيات السلطات القطرية بعدم التعرض لمصر في ظل أجواء المصالحة بين البلدين، لكن الأذرع الإعلامية القطرية التي تعمل بالخارج لم تر غضاضة في نقل التقرير كما حبره هيرست.

Thumbnail

وكانت تقارير إعلامية أكدت أن موقع ميدل إيست آي هو واحد من أصابع أخطبوط الإعلام القطري الذي تم وقفه لخدمة الإخوان ومشروعهم، وذلك تحت إدارة المدير السابق للتخطيط والموارد البشرية في قناة الجزيرة جمال بسيسو، وبفريق من بين أعضاء جوناثان باول الموظف في القناة منذ 2009، فيما يتولى رئاسة التحرير وتسريب التقارير المشبوهة والمثيرة للجدل ديفيد هيرست وهو الصحافي البريطاني غير “الأصلي” حامل نفس الاسم الذي كان من كبار الكتاب الصحافيين منذ ستينات القرن الماضي والذي كان قريبا من منظمة التحرير الفلسطينية وأجرى آخر لقاء مع الرئيس الفلسطيني زمن الحصار في عام 2002.

ويرى المراقبون أن ما أورده ميدل إيست آي يمكن فهم مقاصده وغاياته من خلال متابعة مواقف الإعلام المحسوب على قطر والإخوان التي تصب في اتجاه واحد وهو نعت ما جرى في تونس مؤخرا بأنه انقلاب قاده الرئيس قيس سعيد، وهو ما يسعى إخوان تونس إلى ترويجه خارجيا من أجل الضغط لتسجيل نقاط لفائدتهم قد تساعد في الدفع نحو إصدار مواقف دولية ولاسيما أميركية وأوروبية ضد خطوة قيس سعيد تصل إلى حد فرض عقوبات على تونس، وهو ما لمّح له عزمي بشارة مدير المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات والمعروف كمنسق لسياسات الإعلام القطري بتفرعاته الداخلية والخارجية عندما قال في أول رد فعل على مستجدات الأوضاع في تونس إن “الديمقراطية التونسية، الديمقراطية العربية الوحيدة حتى الآن، إنجاز تاريخي لا يجوز التنازل عنه، ولا عن السعي إلى حل القضايا والمشاكل في إطاره مثل كل الديمقراطيات في العالم”.

ويرى متابعون للشأن التونسي أن الإعلام الممول من قطر يحاول تكريس صفة الانقلاب على إجراءات قيس سعيد، ولكن رغم ما يحفل به من إيحاءات تحريضية لم يجرؤ بعد على دعوة التونسيين إلى التمرد العلني وممارسة العنف؛ وذلك لسببين.

 أولهما أنه يعلم أن الأغلبية الساحقة من التونسيين تدعم تلك الإجراءات وترفض التراجع عنها، وثانيهما أن العواصم الكبرى المؤثرة لم تتبن توصيف الانقلاب، كما أن حركة النهضة وإن كانت تتهم الرئيس سعيد بأنه انقلب على الدستور، إلا أنها لا تقدر على مواجهته سياسيا واجتماعيا وشعبيا.

18