أحمد قشاش يثير عواصف الجدل حول اليهود وجزيرة العرب

لغوي سعودي يتناول من منظور علمي جديد عددا من القضايا اللغوية والتاريخية والجغرافية المتصلة بالقرآن والتوراة ولهجات أهل السراة، نسبة إلى جبال السراة في جنوب غرب السعودية.
الأحد 2020/04/05
قشاش يثير عواصف الجدل حول اليهود وجزيرة العرب

"لا تحاكموني بمسلمات تقليدية"، كان هذا مجمل رد متقن الآرامية الأكاديمي أحمد قشَاش الغامدي على منتقدي كتابه “أبحاث في التاريخ الجغرافي للقرآن والتوراة ولهجات أهل السراة” الصادر عن نادي الباحة الأدبي ودار الانتشار العربي، والذي تناول أحداث قصص النبي موسى وفرعون، وما أعقبها من تاريخ بني إسرائيل، ومسرحها الحقيقي بجنوب غرب جزيرة العرب.

أهمية عمل قشاش عمّا سبقه من كتب، تعود إلى استقرائيته الميدانية والتي استغرقت منه سبع سنوات تجاوز فيها ما بدأه كمال الصليبي، ليعيد تدوير الحديث وبشكل موسع، نافيا أن يكون الأخير أول من قال إن التوراة نزلت في الجزيرة العربية، كونه مسبوقاً بالزهري وغيره وما كان عمل الصليبي إلا إضافات لمن سبق.

يبدي قشاش سروره أن يثير كتابه جدلاً في الأوساط الثقافية والفكرية في العالم العربي، مؤكداً على توقع ردود الأفعال “إلا أنها ليست بالحادة” باعتباره صاحب جهد مبذول في منجز علمي ومعرفي لم يعتمد فيه على رغبات النفس ولا الهوى وإنما اعتمد التوثيق والفحص والتدقيق والمقاربات اللفظية، مبينا أهم ما يجب ذكره والتأكيد عليه من أن ”ما يسمى اليوم دولة إسرائيل ما هي إلا كيان مصطنع، يجمع يهودا من أجناس وأعراق شتى، لا يمتون إلى بني إسرائيل القبيلة العربية بصلة، غير أنهم تهودوا، وادعوا الانتساب زورا إلى إسرائيل، وهو نبي الله يعقوب عليه السلام، ليسوِغوا لأنفسهم تحت غطاء ديني وادعاءات تاريخية باطلة احتلال أرض فلسطين وإخراج أهلها منها”، وقد ناقش قشاش هذا الموضوع بأكثر من وجه، وفند كثيرا من تلك الادعاءات.

سجل لتاريخ العرب

 قشاش يكشف المسرح الحقيقي لأحداث بني إسرائيل
 قشاش يكشف المسرح الحقيقي لأحداث بني إسرائيل

في مقالة نشرتها مجلة الفيصل السعودية كتب الناقد يوسف العارف “منذ المطالعات الأولية لهذا المنجز العلمي الجدير بالاحترام والمقبولية، نجد أننا أمام باحث سعودي، وأستاذ أكاديمي مميز، تجرأ على خوض مسألة غير قابلة للمناقشة، ليؤكد في مقدمتها: أن قبيلة بني إسرائيل ما هي إلا قبيلة عربية قديمة تلاشت كغيرها من قبائل العرب البائدة، وأن الموقع الحقيقي لهم هو منطقة جنوب غرب الجزيرة العربية“.

ويضيف العارف أن هذا يعني أن قشاش يثني على مقولات الصليبي في كتابه ”التوراة جاءت من جزيرة العرب“، ولكن بمفهومها اللساني واللغوي، ودلالاتها المكانية، كما يؤكد المؤلف أن النصوص العبرية التوراتية تشترك مع العربية في معظم ظواهرها اللغوية، وأن التوراة هي أحد الكتب المقدسة التي نزلت بلسان عربي قديم، وكانت نصوصها تعبر عن عادات العرب وفكرهم وتراثهم القديم وهو يوصي في نهاية مباحثه الثلاثة الأولية، بضرورة تدريس العبرية والسريانية والسبئية وسائر اللغات القديمة لطلاب أقسام اللغة العربية في جامعاتنا، وإنشاء أقسام خاصة بها، وتشجيع الباحثين في الدراسات العليا على دراسة هذه اللغات، فأبناء الجزيرة العربية هم الأصدق والأقدر على دراسة تاريخ جزيرتهم ونقوشها ولغاتها القديمة.

يتناول قشاش من منظور علمي جديد عددا من القضايا اللغوية والتاريخية والجغرافية المتصلة بالقرآن والتوراة ولهجات أهل السراة، نسبة إلى جبال السراة في جنوب غرب المملكة، ويكشف في وقفات متأنية عن كثير من الحقائق والأسرار المغيبة في حياة نبي الله إبراهيم وحياة ذريته إسماعيل وإسحاق ويعقوب، كما يكشف لأول مرة عن المسرح الحقيقي لأحداث بني إسرائيل، معتمدا على دراسة مقارنة لنصوص التوراة التي تحوي سجلاً مفصلاً لتاريخ العرب القديم، والتي أظهرت أنها كتبت بلسان عربي قديم.

بل إنه يؤكد على كتابتها بإحدى اللهجات العربية القديمة التي ما تزال حية مستعملة في أنحاء متفرقة من جبال السراة واليمن، لتكتمل بإفادة فحواها إن قبيلة بني إسرائيل هي في الحقيقة إحدى قبائل العرب القديمة، بيد أنها تلاشت كغيرها من قبائل العرب البائدة، ودخل معظم أفرادها في عدد من القبائل العربية الباقية، وصاروا من مكونات النسيج العربي الإسلامي في جزيرة العرب، مقدما كتابه عبر خمسة مباحث جاء أولها عن ضمائر الرفع المنفصلة في لهجات منطقة الباحة والتي أصَل فيها الظواهر اللهجية في ضمائر الرفع المنفصلة في تلك المنطقة، عبر عودته إلى الأصول من كتب النحو واللغة ومقارنتها باللغات العروبية القديمة والتي انتقد تسميتها بالسامية، ليناقش المبحث الثاني النباتات الصمغية بين العربية والعبرية، دراسة لغوية مقارنة، وحقيقة أسمائها التي وردت بلفظ واحد في اللغتين العربية والعبرية، مع الكشف عن دلالتها في اللغتين والموطن الحقيقي لها، وهي دراسة لغوية بالدرجة الأولى وليست في علم النباتات بمفهومه الدقيق عند المختصين. وهو يذكر مع الاسم العربي للنبات اسمه اللاتيني ثم يدرج الفصيلة التي ينتمي إليها لبيان الفرق ورفع اللبس وتعميم الفائدة.

مشتركات عربية عبرية

منتقدو قشاش في السعودية يعتبرون أن أبحاثه تلحق العار بأهل السراة من طائفها إلى يمنها، بينما يرى آخرون منهم أن قشاش جاء في غير وقته لأن اليهود لا يزالون يبحثون عن وطن
منتقدو قشاش في السعودية يعتبرون أن أبحاثه تلحق العار بأهل السراة من طائفها إلى يمنها، بينما يرى آخرون منهم أن قشاش جاء في غير وقته لأن اليهود لا يزالون يبحثون عن وطن

أما المشترك العربي العبري فيتناوله قشاش بدراسات لغوية مقارنة اعتنت بتأصيل الكثير من ألفاظ الزراعة والماشية، مما ورد في لهجات أهل السراة ولغة التوراة العبرية، ليؤكد على ابتكار أرض اليمن وجبال السراة لممارسات الزراعة والرعي وأسبقيتها للبشرية في ذلك. بالإضافة إلى ما عنونه بـ”ألفاظ جغرافية من القرآن والسنة النبوية“ والذي درس فيه ألفاظ ”تهامة، طوى، مصر، وادي النمل، واليم“، كاشفا أنها أكثر الألفاظ التي اختلف اللغويون والمفسرون والبلدانيون والمؤرخون في شرح دلالتها وتعيين موقعها، شارحا ومحددا موقعها الجغرافي وبيان حقيقية ما تدل عليه، داعياً إلى إجراء بحوث ميدانية موسعة في آثار الجزيرة العربية وخاصة آثار جنوب غربها، إضافة إلى مصطلح طور سينين وبقراءة دلالية جديدة وكشف فيه وباستفاضة الموقع الحقيقي لطور سينين وطور سيناء.

النتائج التي توصل إليها قشاش انصبت حول أن الطور بمعنى الجبل هو لفظ عربي قديم، ورد في معظم اللغات العربية السامية ولا يزال مستعملا في عدد من اللهجات المعاصرة في جبال السراة والحجاز، وإثبات عروبته وابتعاده عن الأعجمية، ونبهت إلى خطأ الحكم بالأعجمية على الألفاظ العربية المستعملة في لغات أخرى كالسريانية والعبرانية وغيرهما من لغات الشعوب العربية ”السامية“، وخلصت إلى أن المشترك اللغوي إنما هو موروث اللسان العربي القديم الذي كان لسان تلك الشعوب قبل مغادرتها الجزيرة العربية ولا يمكن أن يكون هذا المشترك مصادفة، وكشفت أن ما يعرف اليوم بصحراء سيناء بين فلسطين وسيناء هي أرض قاحلة جدباء منذ قديم العصور ولا يمكن أن تلائم عيش وتنقل بني إسرائيل لمدة أربعين سنة، خاصة مع خروجهم من مصر ببقرهم ومواشيهم التي لا يمكنها البقاء في تلك الصحراء. وحول مسمى عسير، يشير قشاش إلى أن كثيراً من القرائن الجغرافية واللغوية تؤكد أنه مأخوذ من اسم أسير بن يعقوب.

أثار قشاش عاصفة من الانتقادات طالت نادي الباحة الأدبي والمعني بطبع كتابه، كونه جهة تابعة لوزارة الثقافة وليس بجهة ذات اختصاص في مثل هذه المواضيع، ليأتي رد رئيس النادي حسن الزهراني بقوله “إن الكتاب خضع للتحكيم من متخصصين كما أن فصوله نشرت في مجلات علمية محكّمة، لاسيما وأن لجنة التأليف والنشر في النادي لا تعتمد على أي تحكيم سابق بل تبعثه إلى محكمين متخصصين“، مبديا تعجبه من مثقفين كانوا يطالبون الأندية الأدبية بالخروج من تقوقعها على الأمسيات الشعرية والقصصية والنقدية والخروج إلى الثقافة بمفهومها الأشمل، ثم ينتقلون إلى ضفة أخرى عند إصدار مؤلف قيّم للقول إن النادي ليس جهة اختصاص وإنه خرج عن مساره، ويأسف الزهراني لوجود مثقفين سعوديين يعتبرون أن الكتاب يلحق العار والثبور بأهل السراة من طائفها إلى يمنها لأنه ينسبهم إلى القردة الممسوخة، بينما رأت فئة أخرى أن قشاش جاء في غير وقته لأن اليهود لا يزالون يبحثون عن وطن.

 ويتحفظ الزهراني على فريق يتهم قشاش بعنصرية المكان وأن مؤلفه أراد أن يثبت تميز الأماكن التي أشار إليها الكتاب عن غيرها بوجود الأنبياء ورسالاتهم، ويتساءل كيف يخرج بعضهم عن اللائق بالرد على مؤلف بشتائم لا تليق بأكاديمي أو مثقف أو حتى مُدّع لهما؟ فرغم ما أحدثه قشاش من جدل إلا أن بحثه يعد بحثا محكما نال عليه درجة الأستاذية نظير ما يحمله من القرائن والمعلومات التي قد تغير ما ثبت في العقل أنها حقائق، وسيكون هذا العمل على طاولة نقاشات قد تطول.

البان والوقود الحيوي

قبيلة بني إسرائيل، حسب قشاش، هي في الحقيقة إحدى قبائل العرب القديمة، بيد أنها تلاشت كغيرها من قبائل العرب البائدة، ودخل معظم أفرادها في بقية القبائل العربية (الصورة لأطفال من يهود اليمن جنوب جزيرة العرب)
قبيلة بني إسرائيل، حسب قشاش، هي في الحقيقة إحدى قبائل العرب القديمة، بيد أنها تلاشت كغيرها من قبائل العرب البائدة، ودخل معظم أفرادها في بقية القبائل العربية (الصورة لأطفال من يهود اليمن جنوب جزيرة العرب)

ولد قشاش في منطقة بلجرشي بالباحة، وكثيراً ما أبهر الآخرين بأطروحاته وأفكاره، فقد أكمل تعليمه إلى أن حصل علىٰ درجة الدكتوراه في الجامعة الإسلامية، من قسم اللَّغويات، مع مرتبة الشرف الأولى، والتوصية بطبع الرسالة على نفقة الجامعة الإسلامية، متوجا ذلك بحصوله على جائزة المدينة المنورة للتفوق العلمي مرتين، وجائزة منطقة الباحة للتميز والإبداع “فرع شخصية العام الثقافية”، وهو مهتم بالنبات في الجزيرة العربية والنادر منها خاصة. وقد أنشأ عدداً من المزارع البحثية في سهل تهامة، تحتوي علىٰ الكثير من الأنواع الاقتصادية المهمة، كأشجار البان، وأشجار الوقود الحيوي. مع كم هائل من النَّباتات الطَّبية والأنواع النَّادرة، أو الموشكة علىٰ الانقراض للحفاظ علىٰ أصولها الوراثية.

وقد حرص قشاش على تأسيس أربعة مشاتل لإكثار تلك الأنواع ونشرها، إضافة إلى إنشاء تقنية مهمة مستدامة هي تقنية البيوغاز في مزرعته والتي تهدف إلىٰ إعادة استخدام المخلفات العضوية كمخلفات المحاصيل الزَّراعية وروث الماشية بطريقة اقتصادية وآمنة صحياً وإنتاج الغاز الحيوي منها، وهو عبارة عن طاقة حيوية متجددة وبديلاً آمناً دائماً للطَّاقة التقليدية، مع إنتاج سماد عضوي عالي الجودة، فضلاً عن دورها الهام في حماية البيئة من التَّلوث.

قشاش الذي يعيد سيرة العلماء العرب القدامى المتنقلين من حقل إلى آخر، بالبراعة ذاتها، يقدّم نموذجاً علمياً سعودياً مغايراً يؤسس لحقبة جديدة من الأبحاث الحرة المتحللة من العقد والتفكير النمطي والأحكام المسبقة.

9