"أحب" الأكل الصحي

ثمة "اختراع" جديد اسمه الأكل الصحي. تتعرف عليه وأنت تتقدم بالعمر. في الشباب تأكل كل شيء ومعدتك تطحن الحجر. ثم تبدأ المشاكل مع الزيوت والخبز والبقول.
الأربعاء 2020/09/23
"الأكل الصحي".. اختراع أم عادة

أنت شرقي إذا أنت تعتبر الرياضة وتنظيم النوم والأكل الصحي عبئا. هذا على الأقل في مقتبل العمر.

الرياضة أول المشاكل. درس الرياضة في المرحلة الابتدائية عادة ما يتحول إلى 50 دقيقة من الاستراحة وتمضية الوقت. معلم أو معلمة الرياضة كانا يهتمان بأن تجلب ملابس الرياضة وحذاءها أكثر مما تفعله بعد ارتدائها. ثم تتعلم الكسل، وتحاول في المراهقة أو الجامعة أن تمارس الرياضة ثم تستسلم، لكي تعود بعد تأنيب الضمير إلى ممارسة بعض منها. مع الأربعين، تتحفز، خصوصا وأنت ترى بعض الحركة في الشارع من راكضين ومهرولين ومتمشين. ثم تسجل في النادي الرياضي وتدفع لأشهر وسنوات، لكي تذهب هناك لأيام. ثم تأتي الصحوة الكبرى وتبدأ بالالتزام. أو تيأس.

النوم المنتظم والكافي في عالمنا العربي مفهوم غير واضح. الحر في الصيف يغير إيقاع الحياة، ويعطي لليل أهمية أكبر وللسهر رونقا ورومانسية. تأمل أغاني وقصائد السهارى. ثم السهر يجلب الاستيقاظ المتأخر وتهم الكسل. قليلون ممن أعرفهم ينامون بنظام. النوم مهم لكل شيء، لكن المقصود هنا النوم المنظم الذي يرسل للجسم إشارات ترتيب النشاطات الحيوية. عدم تنظيم النشاطات الحيوية يجلب مشاكل التعب والإرهاق، حتى من قبل الدخول في مرحلة عمر الانعكاسات الصحية السلبية.

ثمة “اختراع” جديد اسمه الأكل الصحي. تتعرف عليه وأنت تتقدم بالعمر. في الشباب تأكل كل شيء ومعدتك تطحن الحجر. ثم تبدأ المشاكل مع الزيوت والخبز والبقول. تبدأ النصائح تهل عليك عن أهمية الخضر وعدم الإكثار من اللحوم. لكنك “تخون” الأمانة الصحية مرات ومرات. هل يوجد ألذ من تشيبس مملح ويقرمش وكيسه يطلق كل أصوات الطرقعة التي تذكرك بروعة الأكل غير الصحي؟ بالليل لا تنام من الدهون وعدم القدرة على الهضم، فتندم ثم تعود عن الندم بعد كم أسبوع وتشتري كيس تشيبس جديد. في الفترة الفاصلة بين كيس تشيبس وآخر تصير تقرأ ما هو مكتوب على العبوات ونسبة الدهن في اللبن ونوعية الدجاج البيولوجي الذي تأكله وأن يكون السمك حرا مصطادا من البحر وليس تربية. تتذكر الباربيكيو وحفلات الشواء التي تحرق الدهن الحيواني وتوزع رائحة تثير حسد الجيران. تعود إلى خيانة الأمانة الصحية وإلى الإحساس بالذنب.

جانب آخر من الأكل الصحي هو تعرفك المتأخر على الأعشاب. هذه ميرامية وذاك بابونج وهذا شيح مر. كلها مضادات للأكسدة. عندما أسمع كلمة “مضادات” أتخيل تلك الصليات العبثية من الرشاشات التي تحاول أن تسقط طائرات تحلق على ارتفاعات شاهقة ولا تصل لها. أتمنى أن لا تكون مضادات الأكسدة بنفس العبثية. هذا ينفخ البطن وذاك يزيل التلبك المعوي وهذا يحارب الغازات. لسانك يخدر من المرارة ومعدتك حقل تجارب أولية، ثم يأتي دور بطنك التي تسهر الليل مصدومة بما تتناوله من مشروبات عشبية. ما به العدس والفول اللذان تعودنا عليهما لتأتي لنا بكل هذه الخلطات “السحرية”؟ الكركم كان يرافق الحمص مع صحن اللبلابي، ما له صار يأتي وحيدا ومركزا الآن؟

وختامها خضر. من كثرة الملفوف الذي تأكله تحس رأسك بين كراته في السوبرماركت وشعرك صار أشبه بثمرة بروكلي خضراء يانعة. تأكل وأنت صاغر لأنك “تحب” الأكل الصحي. وينطلق السباق بين الانتفاخ الذي تسببه الخضر شبه المسلوقة (لكي لا تضيع قيمتها الغذائية) والأعشاب التي تحارب الانتفاخ. سنخبركم بالنتيجة في يوم قادم.

24