أجر زهيد لجانيات الورد في المغرب أمام مستحضراته الباهظة

الورد يشكل المصدر الوحيد للعمل في قلعة مكونة حيث تفوح راحة زكية من الوردة الدمشقية التي تم جلبها من سوريا منذ زمن القوافل التجارية.
الأربعاء 2021/05/05
بوادي الورود

تشتهر بلدة قلعة مكونة في المغرب بورودها الدمشقية التي تفوح في فصل الربيع، وعلى الرغم من أنها تعتبر مصدر رزق للنساء اللاتي يعملن بجنيه طيلة شهر كامل إلا أن أجورهن زهيدة مقارنة بزيوت هذه الزهرة التي يباع لترها بالآلاف من الدولارات.

قلعة مكونة (المغرب)- مع بداية فصل الربيع تفوح من بلدة “قلعة مكونة”، الواقعة جنوب شرقي المغرب، رائحة الورود التي يقول عنها أهلها إنها رائحة تُميز منطقتهم عن غيرها، فتربتها لا تنبت إلا ورداً، وقطرات نداها ومطر سمائها لا يسقيان إلا الزهور التي يقيم من أجلها سكان البلدة موسماً سنوياً، احتفالاً بالجمال.

يقول محمد العربي (39 سنة)، أحد سكان البلدة، “أغلب سكان البلدة يعتمد دخلهم إما على تحويلات أبنائهم العاملين في مناطق أخرى، أو على ما يجنونه من زراعة الورد وبيعه، الصغار أيضاً يعرضون باقات الورد في الطرقات على المسافرين، فأهل قلعة مكونة مجبولون على الورود وحبها”.

في الصباح الباكر تجتمعُ نسوة القرى المُحيطة بمركز البلدة، ثم ينتشرن في الحقول مُعتمرات قبعاتهن ليقطفن دُون كلل الورود في الأراضي الشاسعة المُمتدة بين جبال الأطلس الصغير، على أطراف البلدة الواقعة في منبسط مُخضر وسط صحراء جافة، ويضعنها في سلال تلوي داخلها الورود أعناقها لكنها تحتفظ بنضارتها وعطرها الفواح.

وتحصل يزى آيت على ثلاثة دراهم (نحو 30 سنتا) فقط عن كل كيلوغرام من الورود تجنيه في جنوب المغرب، وهو إنتاج تستخرج منه مستحضرات ثمينة كالزيوت الأساسية التي يصل ثمنها إلى 18 ألف دولار للكيلوغرام الواحد.

الوردة الدمشقية

وتقول السيدة التي تجني الورود إلى جانب غيرها من النساء “بالكاد نربح ما يوفر لقمة العيش”، بينما تستعين بقفاز لتفادي أشواك الورد وقبعة لحماية رأسها من شمس ربيعية دافئة في قلعة مكونة التي تلقّب بـ”بَوادي الورود” حيث تعمل النساء من أربع إلى خمس ساعات في اليوم ويتلقين أجرهن على ما جنوه بالكيلوغرام.

يبدأ الجني مع طلوع الفجر وتحتاج النساء إلى ساعات قليلة لملء الحقائب الكبيرة التي يحملنها بعد الانتهاء فوق رؤوسهن كي يتم وزنها.

بعد أن تجني نسوة القرى غلاتهن الصباحية من الورود يتوجهن بها إلى التعاونيات والمراكز المحلية المختصة بعملية تقطير الورد، واستخلاص مائه الصافي، واستعماله في إنتاج مواد تجميلية وعطرية طبيعية مشهود لها بجودتها الوطنية والعالمية.

لكن يزى آيت موح الأربعينية لا تشكو من ظروف العمل ما دام يمكّنها من “إعالة أسرتها المكونة من خمسة أفراد”، وهي تربح نحو ست دولارات عن 20 كيلوغراما في اليوم، خلال فترة ازدهار الورود التي تدوم قرابة شهر.

وتعبق في الوادي في الربيع الرائحة الزكية التي تفوح من الوردة الدمشقية، وهي صنف جلب من العاصمة السورية منذ زمن القوافل التجارية، وفق بعض الروايات.

ويرتبط اسم قلعة مكونة بالورود إلى درجة أن كل شيء فيها يتمحور حول هذه الزهرة، بدءا بأسماء الفنادق ولون سيارات الأجرة مرورا بمستحضرات التجميل المعروضة في الدكاكين والمجسم الضخم الذي يتوسط الساحة الرئيسية في البلدة، وصولا إلى مهرجان الورود الذي يقام فيها كل عام ويجذب إليه آلاف الزوار، قبل أن يتم تعليق أنشطته بسبب جائحة كورونا.

النساء تحتاج إلى ساعات قليلة لملء الحقائب الكبيرة التي يحملنها بعد الانتهاء فوق رؤوسهن كي يتم وزنها

ويشكل الورد “المصدر الوحيد للعمل هنا”، وفق تعبير نجاد حصاد (35 عاما) التي تعمل مسيّرة لتعاونية “روزامكون” المتخصصة في تقطير الورود والتي أسستها مزارعتان من المنطقة.

فضلا عن حصولها على نحو 250 دولارا، ما يقارب الحد الأدنى للأجر في المغرب، تشعر نجاد بالسعادة في التعاونية حيث تشتغل “في أجواء عائلية” برفقة خمس عاملات. وتعرض التعاونية منتجاتها من ماء الورد والزيوت الأساسية، بالإضافة إلى مستحضرات تجميل.

ويصل ثمن الكيلوغرام الواحد من زيوت الورد الأساسية إلى قرابة 18 ألف دولار، لكن إنتاجه يحتاج نحو 4 إلى 5 أطنان من الورود الطبيعية والمنتجات العضوية الخالية من المبيدات.

ويسعى رئيس الفيدرالية المهنية لمزارعي ومحولي الورود المغاربة رشدي بوبكر إلى استصدار علامة منتج عضوي خاصة بالمنطقة من أجل تثمين ورودها في السوق العالمية التي تهيمن عليها بلغاريا وتركيا، أهم منتجي الورود العطرية. ويضيف ساخرا “لحسن حظنا أننا فقراء، لا نستعمل المبيدات وإن استعملت فبشكل محدود”.

ويرى بوبكر أن تطوير القطاع يمر عبر دعم أنشطة تقطير الورود في تعاونيات، ما سيمكن أيضا “من تحسين شروط العيش ومواجهة الهجرة من الأرياف”.

بينما يتطلب رفع مداخيل هذه الزراعة “تطوير المشتقات التي تدر أكثر” والمتمثلة في الزيوت الأساسية والرحيق الصافي الذي يستخرج بعد عمليات تصفية ويلاقي إقبالا كبيرا من مصنعي العطور الفاخرة.

وتعتمد صادرات القطاع حاليا على ماء الورد والورود المجففة، بينما لا يتعدى الباقي نحو 50 كيلوغراما سنويا من الزيوت الأساسية ونحو 500 كيلوغرام من الرحيق، ما يعد كمية ضئيلة مقارنة بحجم الإنتاج في بلغاريا وتركيا، وفق فيدرالية مهنيي الورود المغاربة. ويعد زوار المنطقة من السياح “الزبائن الأوائل” لمنتجاتها من الورود، كما يشير محمد قاصي.

ونجح هذا الأربعيني في تأسيس شركة “وادي الورود” المتخصصة في مستحضرات التجميل والتي توظف 30 عاملا، بعدما كانت بدايته بسيطة بطقم تقطير تقليدي، لكن “الجائحة عطّلت كل شيء للأسف” كما يقول.

نساء يعملن ست ساعات في اليوم مقابل ثلاثة دراهم (نحو 30 سنتا) فقط عن كل كيلوغرام من الورود

وتراجع ثمن الورود الطرية بنحو 30 في المئة (ما بين 2 إلى 2.5 دولار) للكيلوغرام الواحد منذ الموسم الماضي، بسبب تداعيات الوباء، وذلك بعد فترة سجل فيها ارتفاعا بفضل جهود وزارة الزراعة لتطوير القطاع واستقطاب مستثمرين ورفع المردود. وبلغ إجمالي المحصول 3600 طن في 2020 على نحو 900 هكتار، وفق أرقام الفيدرالية.

وتبقى حفصة شكيبي (30 عاما) متفائلة بمستقبل القطاع، وهي التي أسست شركة “فلورا سينا” في 2016 بعد حصولها على دبلوم في الكيمياء مراهنة على المنتجات العضوية والمحاصيل القليلة مع تقنية التقطير التقليدي في أطقم نحاسية.

وبسرعة وجدت الشابة التي تحمل الجنسيتين الفرنسية والمغربية زبائن لوردها “الصافي الطبيعي” ممن “يبحثون عن إضافة نوعية” في كندا والصين وبريطانيا وفرنسا وهولندا. وتأمل أن تنطلق قريبا في إنتاح الرحيق الصافي ذي القيمة المضافة.

وتحتفي بلدة قلعة مكونة سنويا مُنذ عقود بمهرجان الورود، حيث تتوج من بين بنات البلدة “ملكة جمال الورود” في طقوس احتفالية، وتنتخبُ حسب معايير الجمال التقليدية في هذه المنطقة المحافظة.

20