آمنة الجبلاوي: جماعات الإسلام السياسي تستفيد من الفهم الخاطئ للإسلام المبكر ومفهوم الخلافة

الباحثة التونسية لـ"العرب": الجهاديون شوهوا فترة الدعوة.
الخميس 2021/02/25
استثارة المشاعر

مع تزايد الهجمات الإرهابية، ورغم الانتكاسات التي تتعرض لها الجماعات الجهادية في أكثر من منطقة، تتكثف النقاشات بشأن فشل الدول العربية والإسلامية في وضع حد لآفة التطرف التي تستقطب شباب هذه البلدان. وفي حوار مع “العرب” قالت الباحثة والأكاديمية التونسية آمنة الجبلاوي إن جماعات الإسلام السياسي تستفيد من الفهم الخاطئ لفترة الإسلام المبكر والخلافة، مؤكدة أن الجهاديين قاموا بتشويه فترة الدعوة من خلال “ترويجهم للاقتداء بالسلف الصالح في عمليات القتل”.

تونس – لا تزال مواضيع “صورة الآخر” المختلف تثير نقاشات صاخبة في العالم العربي والإسلامي خاصة أن العشرية التي تلت انطلاقة “الربيع العربي” شهدت تزايدا للتشدد، ما ضاعف من التحديات أمام المختصين في الحضارة الإسلامية وغيرها من المجالات لقطع الطريق أمام المتشددين عبر دحض أطروحاتهم بشأن الإسلام التي تؤسس للإقصاء والعنف.

وفي حوارها مع “العرب” تشدد الباحثة والأكاديمية التونسية آمنة الجبلاوي على أن جماعات الإسلام السياسي تستغل الفهم الخاطئ للإسلام المبكر والخلافة لاستقطاب الناس، مشيرة إلى أن بلادها لم تنجح بعد في معركتها ضد الإرهاب والتطرف.

والجبلاوي باحثة وأكاديمية تونسية وناشطة في المجتمع المدني حيث تقود المعهد الدولي للإنماء الإنساني، ولديها العديد من المؤلفات على غرار “الصابئة في الثقافة العربية الإسلامية” و“الإسلام المبكر؛ “الاستشراق الأنغلوسكسوني الجديد” وغيرها من البحوث.

وتؤكد الجبلاوي على أن الجهاديين شوهوا فترة الدعوة وذلك من خلال الترويج للاقتداء بالسلف الصالح في عمليات القتل وغيرها على حد تعبيرها.

  • العرب: في البداية، لو توضّحي لنا أكثر الأدوار التي يضطلع بها المعهد الدولي للإنماء الإنساني؟

آمنة الجبلاوي: المعهد الدولي للإنماء الإنساني جمعية تونسية تأسست سنة 2013، والهدف منها هو القيام بالدراسات والتكوين في ما يخص الشأن العام على غرار التوقي من التطرف في إطار معاضدة جهود الدولة في مكافحة التطرف. كما تعلمون تونس لديها استراتيجية في هذا الصدد تقوم على عدة ركائز أبرزها التوقي من الفكر المتطرف، وهذا الدور لا يمكن أن تقوم به السلطات فقط بل ندفع نحو تضافر الجهود من مجتمع مدني وغيره من أجل تحصين شبابنا. أيضا المعهد الدولي للإنماء الإنساني لديه العديد من الشراكات مع الاتحاد الأوروبي وغيره من المؤسسات الدولية تخص مبادرات عدة ترمي إلى تعزيز السلام.

  • العرب: تتابعين التطورات في تونس، كيف يبدو لك المشهد السياسي في خضم الدعوات للحوار الوطني والأزمة بين الرئاسات الثلاث (رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ورئاسة البرلمان)؟

آمنة الجبلاوي: في تونس نعيش مأزقا حقيقيا، وهذا المأزق يحيلنا مثلا إلى ما يثيره البعض حول مصطلح “الزاوية المكسيكية” (وهو مفهوم يستعمل عندما نقع في مأزق ونعجز عن الخروج منه). المآزق كثيرة في ظل المشهد الحالي بسبب القانون الانتخابي وهيكلة هيئة الانتخابات وتحييد بعض المراكز الفرعية التي تنضوي تحتها.

نحتاج ربما إلى رسائل طمأنة بشأن حياد هيئة الانتخابات، والعمل على تحييدها، وندعو إلى أن يتم التطرق إليها في الحوارات القادمة. هناك أيضا مأزق دستوري، فرغم ما منحنا إياه دستور 2014 غير أن هناك ثغرات كبيرة تتعلق بالسلطة المحلية، علاوة على إضعاف سلطة الرئاسة مقابل منح البرلمان صلاحيات قوية، ما يزيد من حالة التشرذم السياسي. اليوم من الصعب إيجاد غالبية تتحمل مسؤولية نتائج الحكم.

الجبلاوي ترى أن الإسلام السياسي استغل الفهم الخاطئ لفترة الإسلام المبكر ولا تجد من يجيب على مروياتها بشكل سياسي، ما يجعل الدول تتحمل مسؤوليتها في ذلك
الجبلاوي ترى أن الإسلام السياسي استغل الفهم الخاطئ لفترة الإسلام المبكر ولا تجد من يجيب على مروياتها بشكل سياسي، ما يجعل الدول تتحمل مسؤوليتها في ذلك

  • العرب: اليوم هناك هامش من الحرية لكن في المقابل تشهد تونس صعودا متواصلا للشعبويين وحتى الذين يتبنون خطابا تكفيريا داخل البرلمان مثلا وهي مؤسسة مهمة جدا في الحياة الديمقراطية، كيف تقرئين ذلك؟ وهل باتت حقوق المرأة على المحك اليوم بسبب هذا الخطاب؟

آمنة الجبلاوي: في البداية لنتفق أولا على أنه لا يوجد فشل في تونس بقدر ما يوجد تعثر وعدم تحمل للمسؤولية من كافة الأطياف السياسية (من يساريين وإسلاميين). خصومات الجامعة التونسية مثلا خلال الثمانينات صُدّرت إلى المشهد السياسي في هذه العشرية وبشكل رديء أحيانا. هذه العملية ترهن زمننا وحقنا في إدارة أفضل للشأن العام. وبالنسبة إلى الجزء الثاني من السؤال، كانت هناك تراكمات لمكاسب المرأة التونسية طوال عقود لكن المشكلة الحقيقية تكمن في التربية على هذه الحقوق والمكاسب لأنه حتى الخطاب لم يرتق بعد إلى مرحلة المساس بالترسانة التشريعية الموجودة حاليا. والمسؤولية هنا مشتركة يتحملها الفاعل السياسي كما المؤسسات الإعلامية التي باتت تلهث وراء الربح المادي دون أي تقدير لعواقب ذلك على نمط المجتمع التونسي والتحولات التي ستطرأ على العلاقات داخل هذا المجتمع.

وعندما يتدهور الخطاب بشأن حقوق الإنسان والأقليات، فإن ذلك سيتبعه تدهور للخطاب في علاقة بحقوق المرأة. للأسف تابعنا خطابات مخزية لنواب في البرلمان عن المرأة وهي تصريحات تتعارض مع مدنية الدولة والدستور وتتناقض كذلك مع التعهدات الدولية. وهذه التصريحات تُنذر برسم خط التدهور في علاقة بحقوق المرأة (تدهور في العقليات، هناك نوع من الردّة في علاقة بحقوق المرأة). هم منتخبون لكن من المفترض أن تتم معاقبتهم أو على الأقل الإشارة إلى تجاوزاتهم، لكن للأسف لم يحدث ذلك؛ لقد ضاع دم نساء تونس بين القبائل.

  • العرب: كان لكم العديد من المبادرات في المعهد الدولي للإنماء الإنساني من بينها “سفراء السلام” وغيرها، ما هي أهداف مثل هذه المبادرات؟

آمنة الجبلاوي: كما تعلمون تونس مثلت هدفا للجماعات الإرهابية التي نفذت هجمات كان ضحاياها مدنيون وسياسيون على غرار الشهيدين اليساريين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، إضافة إلى شهداء المؤسستين الأمنية والعسكرية. وعندما انطلقنا رسميا في العمل في 2013 كانت من بين أهدافنا معرفة المسألة الدينية كما ينبغي لتفكيك الخطاب الإرهابي وإعداد خطاب بديل يجيب على هذا الخطاب المتطرف ويحد من نجاعته خاصة أنه استهدف الشباب الذي يعد محور اهتمامنا في المعهد، إلى جانب النساء لأن هذه الشرائح كانت مستهدفة من قبل قنوات تلفزيونية والدعاة الذين يشتغلون فيها منذ التسعينات قبل أن تضاف إليها فوضى الفتاوى على مواقع التواصل الاجتماعي. الرهانات الإرهابية لم تنته ونحن لم نربح هذه المعركة خاصة في شمال أفريقيا ودول الساحل، لذلك مسألة العمل البحثي والعمل الميداني مهمة، لأنه من الضروري استشراف الأخطار المقبلة وإعداد المواطنين وتوعيتهم بها، وهذا دور المجتمع المدني. ولمواجهة هذا الواقع قمنا بإعداد العديد من المشاريع من بينها مشروع “ألف سفير وسفيرة سلام” وهو مشروع سيختتم هذا الشهر ومدعّم من الاتحاد الأوروبي وجمعية سويسرية إيطالية. وهذا المشروع مثلا يستهدف أن نخلق من الشباب والنساء سفراء للسلام في مناطقهم قادرين على احتواء أخطار الاستقطاب من خلال توعيتهم بمراحل عملية الاستقطاب وبالمفاهيم الدينية وغيرها.

الصائبة كديانة
الصائبة كديانة

  • العرب: تحدّثت عن الساحل الأفريقي وأنت خرّيجة السوربون وتعرفين أن فرنسا تقود عملية متعثرة ضد الجهاديين في دول الساحل، ما الذي جعل برأيك دول الساحل أرضية لتنامي العمل الإرهابي؟

آمنة الجبلاوي: في البداية لا بد من دعوة أصدقائنا في الخليج كما في الجامعة العربية والساحل الأفريقي وفرنسا للتنسيق في العمل ضد التطرف لاسيما على المستوى البحثي. بالنسبة إلى الساحل، عرف انحرافا في تأويل القرآن ووصلتنا قصص مؤلمة من هناك رغم اعتدال هذه الدول التي تقوم على التصوف وغيره من التقاليد التي تنسجم مع طبيعة المجتمعات الأفريقية، لكن يبدو أن هناك أطرافا شجّعت على إنشاء مدارس قرآنية على شاكلة مدارس طالبان، وهي مدارس تستغل فقر بعض الأطفال لتلقي تكوين، ما خلق نواة للاستقطاب.

  • العرب: إلى مؤلفك الآن “منزلة الصابئة في الثقافة العربية الإسلامية” الذي عندما نتوقف عنده ندرك حجم التعقيدات التي تحث على تفكيك هذه الديانة التي سبقت الإسلام رغم عودتك إلى مصادر وتفسيرات عديدة على غرار الطبري والطاهر بن عاشور وغيرهما. كيف تعقّدت مهمتك في البحث عن هذه الديانة التي ذكرتها العديد من الكتب على غرار القرآن في بعض آياته؟ وكيف تبدو لك بعض التفسيرات اليوم التي يطلقها البعض عن الصابئة؟

آمنة الجبلاوي: مشروعنا البحثي هذا انطلق من دراسة الإسلام المبكر، والاهتمام بهذه الفترة يبرز لنا تعدد الطوائف في الجزيرة العربية قبيل الدعوة وحتى أثناءها. وكان جزء من سؤالنا حول الصابئة امتدادا لمشاريع بحثية سابقة حاولت تفكيك ما قالته بعض المصادر عن الإسلام المبكر ومحاولة فهم هذه الفترة بشكل علمي. لقد كان السؤال المحوري الذي حاولنا الإجابة عنه هو: ما الذي حدث خلال هذه الفترة (فترة الإسلام المبكر) وهو سؤال يؤرق المسلمين خاصة أن هناك مرويات أخرى للجهاديين مثلا تقوم على قراءة خاطئة ومشوّهة لفترة الدعوة. وقام هؤلاء بصناعة أوهام حول هذه الفترة، حيث أنهم روجوا إلى فكرة الاقتداء بالسلف الصالح في القتل وغيره وهم مخطئون. إذن في هذه الفترة كانت هناك عدة طوائف من بينها الصابئة، والكل يعلم أنه في ما يذكر عن تلك الفترة أن بعض أصحاب الرسول محمد لقبوا بالصباة. ويقول الطاهر بن عاشور مثلا في مؤلفه “التحرير والتنوير” إن “جد محمد لأمه ابن أبي كبشة كان صابئيا”. وبالعودة إلى المصادر إذن نجد أن بعض أقرباء محمد (أخواله) كانوا صابئيين.

الجبلاوي: لا يوجد فشل في تونس بقدر ما يوجد تعثر وعدم تحمل للمسؤولية من كافة الأطياف السياسية
الجبلاوي: لا يوجد فشل في تونس بقدر ما يوجد تعثر وعدم تحمل للمسؤولية من كافة الأطياف السياسية

  • العرب: الحديث عن الصابئة أو الأديان الأخرى يطرح مسألة حساسة في العالم العربي والإسلامي وهي صورة الآخر المختلف عنا في الإسلام، كيف تبدو لك هذه الصورة؟

آمنة الجبلاوي: كما تعلمون فإن مسألة الآخر في عملنا الذي تمحور حول الصابئة كديانة لم تكن مدار العمل، لكن ما نلاحظه بشأن نظرة المسلمين للآخر الصابئي من خلال العودة إلى بعض المصادر على غرار الشهرستاني وابن حزم ونصوصهما سنكتشف أن هناك أكثر انفتاحا في الماضي على اليوم. أيضا عندما نقرأ لابن النديم وغيره نجد أن هناك انفتاحا لافتا في الماضي بخلاف على ما يحدث اليوم. وإلى حدود القرن السادس لا نجد مصادر تقدّم أوصافا سلبية للطوائف الأخرى لكن هناك تراجع اليوم. هناك مناظرة دارت بين الأحناف وصابئة حران وهو نص مهمّ. وبالعودة أيضا إلى الشهرستاني “الملل والنحل” نجد مناظرة أخرى أيضا دارت بين الأحناف والصابئة واشتغلت على دور النبي ودور الكاهن في إعادة ترتيب ما يسمّى بالتوحيديات المتأخرة.

إذن كما أكدت لكم هذه النصوص لا تعطي أي إشارات على أحكام قيمية على الآخر، ربما التخلف ووسم الآخرين بأوصاف سلبية بدأ مع عصور الانحطاط مع ابن تيمية وغيره.

  • العرب: حسب ما خلصت إليه في هذا المؤلف، فإن الإسلام تأثر بالصابئة، أين تتجلى مظاهر هذا التأثر؟

آمنة الجبلاوي: دعني أعطي في البداية لمحة عن الإضافة التي قدمها بحثنا هذا، فهو لا يبحث فقط عن صابئة القرآن لكن يبحث أيضا في مفهوم الحنفية الذي طرح إشكالا في الماضي، وهناك علاقة بين الأحناف والصابئة. عدت إلى الحنفية لأن النسق العقائدي داخل الجزيرة العربية لم يمر من وثنية صرفة إلى توحيدية صرفة، ذلك أنه مر بمراحل، حيث أن الحنفية جاءت بين مرحلة تعدد الآلهة وفكرة الإله الواحد.

وكما يعلم الجميع التوحيد لم يولد مباشرة، فالصابئة والحنفية جاءا في مرحلة التساؤل عمن يأتي بالوحي ويترجم الكلام الإلهي. وفي الحنفية من يضطلع بالوحي هو الكاهن وليس النبي. وحدثت في خضم ذلك خصومات جميلة مثلا بين الشهرستاني وابن ميمون وبين الأحناف والصابئة حول من ينقل الوحي؛ الكاهن أم النبي؟ وطبعا في النهاية افتكت التوحيديات الثلاث مسألة الوحي من الكاهن إلى النبي. إذن مسألة النقاش حول الثراء الديني كانت أكثر تركيبا وتعقيدا مما نتصور على أنها جاهلية، بالعكس كان هناك ثراء كبير ونقاش وتأثر بين هذه الطوائف.

  • العرب: رغم هذا التنوع الذي تزخر به الحضارة العربية والإسلامية وحالة الانفتاح في الماضي، غير أن ما نلحظه اليوم أن خطابات التطرف في تصاعد، لماذا برأيك أطل الانغلاق برأسه عربيا؟ وأي دور للجماعات الإسلامية وخاصة الإسلام السياسي في ذلك؟

آمنة الجبلاوي: في الواقع الإسلام السياسي نجح في أشياء وأخفق في أشياء أخرى، ونحن نرى مصير الإسلاميين في السودان وغيره، لقد أساؤوا إدارة هذا البلد مثلا طيلة 30 سنة بدليل تخلف السودان على مستوى البنية التحتية رغم مقدراته. والسودانيون لم يجدوا استجابة لتطلعاتهم. ولادة الإسلام السياسي ارتبطت بنهاية الدولة العثمانية.

عند تفكك جسد الرجل المريض برزت بوادر حنين إلى سلطة دينية وسياسية تشبه الباب العالي والسلطان العثماني (أمير المؤمنين) وإعادة إحياء مسألة الخلاف وتجلى ذلك في تعبيرات كثيرة على غرار الإخوان المسلمين وحزب التحرير. استفادت هذه الجماعات من ذلك باعتبارها وليدة فهم خاطئ للإسلام المبكر ولمعنى إمارة المؤمنين.

وعندما نحاول أن نطرح مثل هذه المسائل بجدية نجد أن هذه المكونات السياسية تستعمل مصطلحات دون أن تغوص فيها بشكل جدي. إنها تستثمر هذه المصطلحات وتبيع الأحلام للجموع الهشة اقتصاديا وثقافيا. وفي كل مرة هذه الجماعات التي تستثمر فشل الخلافة في بداية القرن العشرين لا تجد من يجيب على مروياتها بشكل سياسي، لذلك أعتقد أن جزءا من المسؤولية تتحمله الدول في طريقة تعاطيها مع هذه الجماعات من خلال السياسات التربوية التي تتعلق بتكريس الفكر النقدي والفلسفة وتوحيد الصف في مواجهة الفكر المتطرف من خلال القيام بإصلاحات هيكلية على المستوى الديني لتصحيح المفاهيم.

13