آباء يحبطون أبناءهم بتحميلهم وزر إنجابهم

الرغبة في الإنجاب يرافقها شعور قوي بقيمة التضحية ما قد يؤدي بعد ذلك إلى عداء تجاه الأطفال.
الخميس 2021/01/14
خطاب التضحية يتعب الطفل

لا يتردّد العديد من الآباء والأمهات في التعبير عن مشاعر ندمهم على إنجاب الأطفال، محملين أبناءهم أعباء تضحياتهم من أجلهم وتعبهم في سبيل تربيتهم. ويرون أنهم ضحوا كثيرا في سبيل أشخاص لا يستحقون ذلك، وغير قادرين على الوفاء بالدّين لهم مهما فعلوا، مما يتسبب في إحباطهم ويعرضهم إلى اضطرابات نفسية تؤثر على مسار حياتهم.

تونس- يرى آباء وأمهات كثر أن تربية طفل تعني 1 في المئة من السعادة و99 في المئة من القلق، كما يرون أن تربية الأطفال مشقة بالغة تستنزف طاقاتهم وشبابهم وصحتهم. ولا يخفي الكثيرون منهم نقمتهم على إنجاب الأبناء وخاصة إذا كانوا كثر، حيث أنهم يصبحون مصدر ضغط لهم. وفي المقابل يحبط التعبير عن هذه المشاعر الأبناء ويجعلهم في دوامة من الشك فيما يتعلق بصدق مشاعرهم نحوهم.

وأكد خبراء التربية أن إنجاب الأبناء هو اختيار من الوالدين، فهما ملزمان بالتكفل بتربية أبنائهم ورعايتهم وعدم انتظار أي مقابل منهم.

وقال معز الشريف، رئيس الجمعية التونسية لحماية حقوق الطفل، إن المجتمعات تتجدّد من خلال الأطفال لذلك لا بد من القطع مع الرؤى النمطية في التعامل معهم، خاصة في محيط العائلة، إذ يجب ألا تكون العلاقة مبنية على خلق شعور لدى الطفل بأنه مدين لوالديه مما قد يسبب له الإحباط في مرحلة ما من مراحل حياته.

معز الشريف: العلاقة بين الأولياء والأطفال يجب ألا تكون علاقة هيمنة وتسلّط
معز الشريف: العلاقة بين الأولياء والأطفال يجب ألا تكون علاقة هيمنة وتسلّط

وأشار إلى أنه لإحداث التوازن في الصحة النفسية للطفل، لا بد لبعض الأولياء أن يتخلصوا من تمرير حالات التشاؤم والغضب والسخط على المحيط والمجتمع إلى أطفالهم، وألا يشعروهم بأنهم عبء وحمل ثقيل عليهم. وعن الحلول الأخرى لتحصين الصحة النفسية للطفل، يشير الشريف إلى أن العلاقة بين الأم والأب والطفل يجب ألا تكون مبنية على خطاب التضحية الذي يتبناه أحد الوالدين لكي لا يحمّلا الأبناء دين إنجابهم.

ولفت إلى أن العلاقة بين الأولياء والأطفال يجب ألا تكون علاقة هيمنة وتسلّط، بل يجب أن تكون علاقة تفاعل في كل الفترات ابتداء من المرحلة الأولى للزواج وبداية تعود الشريكين على بعضهما البعض. وعلى اعتبار أن الأولياء لا يختارون أطفالهم ولا الأطفال يختارون أولياءهم، فإن العلاقة بينهم صعبة ومعقّدة ويجب أن تكون سلسلة ومبنية على النقاش والتحاور لا على إرث قديم يعمق الهوة بين الأجيال بل وينشئ صراعات بينها.

ويعتبر الشريف أن كل طفل هو مشروع بالضرورة بالنسبة إلى الأولياء ويجب أن يكون من أولياتهم وألا يتعاملوا معه على أنه مدين لهم بكل ما يفعلونه من أجله، مبينا أن نشأة الطفل في مناخ متشنّج يتسم بانعدام الحوار والكثير من الجهل بتربية الأطفال يعدّ كارثة مجتمعية.

وأشار إلى أن الولادة من أصعب امتحانات الحياة تماما كما تعليم الأطفال والاهتمام بتفاصيل حياتهم في فترة عمرية حسّاسة. كما أكد أن قرب الآباء من الأطفال مهم جدّا لصحتهم النفسية، بمعنى أنه من الضروري أن يهتموا بشؤونهم تماما كما الأمهات.

ولفت الخبراء إلى أن الندم على إنجاب الأطفال ليس موضوعا يمكن مناقشته على الإطلاق، حيث يفترض المجتمع أن النساء خصوصا يشعرن بابتهاج شديد كونهن أصبحن أمهات. وساعدت السوشيال ميديا على التضخيم من ذلك، حيث تغص حسابات إنستغرام بصور لأجساد الرضع النظيفة وصور سيلفي الأمهات وأطفالهن، غير أن القليلين يظهرون على الملأ ندمهم على إنجاب أطفال.

وقالت إحدى السيدات “عمري خمسين عاما الآن وأنا متقاعدة. لحسن الحظ، استطعت أن أحافظ على سلامة عقلي وحياتي بالرغم من وجود الأبناء. الأمومة ليست لأي شخص بالتأكيد، مجرد القدرة البدنية على الإنجاب لا يعني القدرة الحقيقية على تحمل تبعات الأمر. لقد أعطيت كل ما بوسعي، وفعلت كل ما كنت أحتاج لأن أفعله، لكن هل أنا سعيدة؟ لا. لو عاد الوقت إلى الوراء، لن أنجب أطفالا أبدا”.

إستيلا ويلدون: المشكلة لا تتعلق بالتناقض الشعوري وإنما في محاولاتنا إنكاره
إستيلا ويلدون: المشكلة لا تتعلق بالتناقض الشعوري وإنما في محاولاتنا إنكاره

وكشفت دراسة حديثة أن الأمهات يعجزن عن التعبير عن مشاعر الندم، لكنهن أصبحن يجدن مؤخرا متنفسا للتعبير عن هذه المشاعر عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وأشار روبن سيمون، أستاذ علم الاجتماع بجامعة ويك فورست الأميركية، المتخصص في تأثيرات إنجاب الأبناء على الصحة العقلية، إلى صعوبة الاعتراف بمشاعر الندم لأنها تتعارض مع القوالب الاجتماعية التي تمنح الأمومة قدسية ومكانة عالية داخل المجتمع.

وأوضحت الاستشارية النفسية والمؤلفة إستيلا ويلدون، أن الرغبة في الإنجاب قد تحمل معها شعورا بالتضحية الضخمة، ما قد يؤدي بعد ذلك إلى عداء تجاه الأطفال، مبينة أن الناس في هذه الأيام يعتبرون الإنجاب استثمارا لأنهم يتخلون في المقابل عن أجزاء من حياتهم الشخصية والمهنية.

وأضافت قائلة “أحيانا يضحي الآباء بالكثير من أجل أطفالهم، ما يجعلني أتساءل عما إذا كان الآباء هم من يحتاجون للأطفال وليس العكس. لكن الاستثمار يعني عادة توقُّع شيء ما في المقابل، وربما إذا لم يكن هناك أي عائد، يبدأ العداء في الظهور، خيبة الأمل هنا تكون المحرك الأساسي”.

وتابعت موضحة “يمكن للعداء أن يظهر أيضا عندما نضطر إلى مواجهة الأشياء التي لا نريد أن نواجهها، ولا ينجح أي دور في الحياة في فعل ذلك أكثر من دور الأبوة والأمومة، الأطفال هم من يجردوننا من أفكارنا الجيدة عنا، ويضعوننا في مواجهة أمام أنفسنا، أمام أجزاء منا نرغب في إنكار وجودها، ويمكن أن نكرههم من أجل ذلك”، لافتة إلى أنه مع الآباء الآخرين قد يكون الأمر مختلفا ويميل إلى الجهة الأخرى، حيث الشعور بالألم وجلد الذات بسبب إحساسهم بهذا التناقض المزاجي تجاه أبنائهم، وبالتالي يكرهون أنفسهم ثم ينقلب هذا كله ضد أطفالهم لأنهم هم من يسببون هذه المشاعر.

وأكدت أن المشكلة لا تتعلق بالتناقض الشعوري وإنما في محاولاتنا إنكاره. وتابعت موضحة أنه “عندما نتوقف عن الإنكار يمكن أن نعرف ما هو الغضب العادي الذي يمكن أن نشعر به، وما هو الغضب العدائي. بسبب القلق وعدم التأكد، ندفن كل المشاعر السلبية بداخلنا وأحيانا بداخل الأطفال أيضا”.

ويرى الدكتور كمال بطرس الاختصاصي في علم النفس الاجتماعي أن ضغوط الحياة والمسؤوليات المتراكمة على الأبوين خارج المنزل وداخله قد يقودهما في حال لم يكونا متوازنين من الناحية النفسية إلى تحميل الزواج والأولاد مسؤولية ما يشعران به من ضيق وانزعاج.

الناس في هذه الأيام يعتبرون الإنجاب استثمارا لأنهم يتخلون في المقابل عن أجزاء من حياتهم الشخصية والمهنية

وأوضح أنه أحيانا يستمر اكتئاب ما بعد الولادة مع الأم حتى مرحلة زمنية متقدمة أو قد يستمر إلى الأبد، مبينا أن بعض الأمهات يستمر معهنّ الشعور بالكراهية والنفور من فلذات أكبادهن، إما بسبب المسؤولية الملقاة على عاتقهن والالتزام والتقيد، وإما بسبب تغير نمط حياتهنّ وأجسادهن وشكلهن وغير ذلك من الأسباب.

وأشار إلى أن غضب الأهل ليس هو ما يؤذي الأبناء، لكن مشاعر اللامبالاة وعدم الاهتمام هي ما تسبب المشكلات النفسية والعصبية لديهم، كما أن كره الأهل لأولادهم يخلق لديهم انعدام الثقة بالنفس ومشكلات في مواجهة المجتمع وشعورا بالفشل في الحياة عموما، فيصبحون عدائيين ومتشائمين وغير راغبين في الحياة وقد يميلون إلى الانتحار.

21